موقع متخصص بالشؤون الصينية

علاقات بكين ـ واشنطن.. التنافس الناعم

0


صحيفة السفير اللبنانية:
ليونيل فيرون:
إن التهديد الحقيقي الذي تضغط به الصين على القوة الناعمة الأميركية، والغربية على نطاق واسع، هو بروز نموذج سياسي واقتصادي واجتماعي مختلف، يُسمّيه الأميركيون رأسمالية الدولة. ويستند إلى النجاحات التي تحققت على مدى ثلاثين سنة من الإصلاحات في بناء قوة عالمية، هذا النموذج يقوم على ثلاث مميزات رئيسية هي: نظام سياسي مُستبدّ يسيطر عليه حزب وحيد؛ واقتصاد سوق تُشرف عليه الدولة؛ وحرية فردية واسعة للمواطنين (حرية النقاش في حلقات صغيرة، حرية الحركة، حرية الاختيار في الحياة المهنية الخ) مقرونةً بغياب حرية التعبير الجمعي (نقابات، جمعيات، صحافة، الخ). ثم إن النتائج الباهرة المحققة في العقود الثلاثة الماضية في مجال التنمية من شأنها طبعاً أن تحضّ كثيراً من البلدان السائرة في طريق النموّ على دراسة محرّكات هذا النموذج والبحث فيه عن إمكانيات التطبيق الملائمة لظروفها السياسية والاقتصادية والاجتماعية الخاصة. ولا تكفُّ الوفود الأفريقية واللاتينية ـ الأميركية والعربية عن حثِّ الخُطى إلى بكين لتحصيل فهمٍ أفضل لهذا النموذج واستخلاص منطلقات عمل صالحة لتنمية بلدانهم. حتى ان بعض الأنظمة العربية الناجمة عن انتفاضات العام 2011، والتي عبّرت في البداية عن عدم رضاها، إن لم يكن عن غضبها، جراء الموقف الذي اتخذته الصين إبان الانتفاضات ودعمها الحكام العرب المستبدين، ولا سيما منها ليبيا ومصر، باتت تُيمِّمم شطرَ بكين سعياً وراء دعمها الاقتصادي وبحثاً عن حلول لما تواجهه من مشاكل مباشرة في آن. هذا الشكل من القوة الناعمة يُلحق ضرراً بالغاً بالسيطرة الغربية وينالُ من النموذج الديموقراطي البرلماني / خصخصة الجهاز الإنتاجي والتأكيد أنه شرط لازب للتنمية. وقد أسهمت الأزمة المالية في تعزيز الاعتقاد بمُِواءمة هذا النموذج الصيني في نظر العديد من البلدان، التي لا تجادل مع ذلك في صحة المبدأ الديموقراطي الذي كثيراً ما يذكره المسؤولون الصينيون في خطاباتهم باعتباره هدفاً له ميعاده، لكن مع قلب الأولويات رأساً على عقِب في مضمار التنمية بإعطاء التنمية الاقتصادية الأسبقية على الليبرالية السياسية. وعلى هذه المسألة الجوهرية يقوم الخلاف ويتسع بين الصين وشركائها الغربيين بينما هناك نقاط اتفاق كثيرة، في ما يتعدى التصريحات الرسمية، على صعيد الليبرالية الاقتصادية. وليست الايديولوجية الليبرالية في ذاتها محط نقاش بل العلاقة بين الاقتصاد والسياسة. ولسوف يحكم الانتصار النهائي لأحد النموذجين على الآخر مستقبل الكرة الأرضية.
وتبذل الولايات المتحدة قُصاراها منذ سنوات في سبيل التصدي لهذا النظام البديل الناشئ. وكان العمل في هذا الاتجاه قد بدأ في عهد بوش لتكوين كتلة غربية جديدة في وجه الصين، بعد محاولات فاشلة جرت في ذلك الحين لتبني الصين، (أو اتخاذها زميلاً مختاراً) بغية تحييدها بحملها على القبول بمبدأ ج 2، (أو القوتين الكبريين). ومن أجل ذلك جرى استغلال مفهوم الغرب، بما هو بناء ذهني، وسيلةً لإذكاء الخصومة السياسية والايديولوجية السابقة الوجود بين الأوروبيين والأميركيين من جهة والصين من الجهة الثانية. وخطاب أوباما الأسترالي منوّر في هذا الشأن ويندرج في استمرارية خطابات جورج. و. بوش وفي مقولة صموئيل هنتنغتون حول صراع الحضارات بوجه خاص. والمناداة بقيم الحرية، والديموقراطية، واحترام «المعايير العالمية»، والحرية الدينية الخ، إنما توجّه إلى الصين تحديداً، وهو الأمر المؤكد في دعوة الصين إلى الاعتراف بـ«أهمية المعايير الدولية» و«احترام الحقوق الإنسانية العالمية للشعب الصيني».
وإدراكاً من الولايات المتحدة بهشاشة موقفها حيال بروز القوة الصينية، والأثر الحاسم لنفوذها الاقتصادي، تُجّدد الصلةَ بمنطق الكُتل الذي يرقى إلى حقبة الحرب الباردة. لكنّ بين هاتين المجوعتين السياسيتين عنصراً فاعلاً مؤهلاً لاكتساب أهمية كبيرة في النظام العالمي الجديد هو العالم العربي، فالأجدر والأولى إذاً أن تجهد واشنطن في اجتذابه إلى المعسكر الأميركي كما جرى بحثه في الماضي. وفي هذا الميدان تجد الصين نفسها في موقف يتسم بالضعف نظراً إلى الأسباب المشار إليها آنفاً والمرتبطة بعلاقتها مع الإسلام، ويتعيّن عليها أن تبذل جهوداً كبيرة لتلطيف نقطة الضعف هذه. على أن فكرة وجود كتلة ثالثة مستقلة ـ الكتلة العربية والعربية الإسلامية ـ لا تزال في هذه المرحلة من قبيل الوهم ما دام تأثير الولايات المتحدة على معظم الدول المعنية كبيراً، مع بعض الاستثناءات.
تبرز في الولايات المتحدة والصين نقاشات تزداد حدة حول مسألة العلاقات الصينية الأميركية. في الولايات المتحدة يتواجه تياران بنوع خاص، أحدهما ليبرالي، ديموقراطي، تجاري، مهتم بالحفاظ على علاقات جيدة مع بكين بغية الاستمرار في تحصيل منافع شخصية كبيرة، وتيار المحافظين الجدد الذين، على الرغم مما لحِق بهم من إنهاك في عهد بوش، لم ينتهوا ويمكن أن يعودوا بقوة في مناسبة الانتخابات الرئاسية الأميركية والشخصية الأكثر نشاطاً ونفوذاً في التيار الأول هو وزير الخارجية الأسبق هنري كيسنجر، رجل إقامة العلاقات مع صين ماوتسي تونغ، الذي يقيم برهانه على مقاربة نفعية جداً للقوة الصينية، ولكنه يحقق على المستوى الشخصي مكاسب كثيرة بفضل موقعه المفضل لدى المسؤولين الصينيين. وهو يدافع عن الأطروحة القائلة بأن الولايات المتحدة، إذا ما كان عليها أن تبقى متيقظة، لا يمكنها إن توخَّتِ الصواب أن تعمل على وقف البروز الصيني بل يجب أن تتكيف معه وتستدرّ أقصى المكاسب منه، معتبراً أن الحرب هي خيار وليس حتميّة. ويبدو أن الرئيس أوباما في القسم الأول من ولايته كان يأخذ بهذه المقاربة، وبفضل ذلك كانت زيارته الأولى إلى الصين ناجحة بالمعيار الصيني من حيث إنه لم يُثر علانية مسألة حقوق الإنسان والديموقراطية، ولا انتقد صراحة الحكومة الصينية، داعياً إلى مزيد من الانفتاح، كما فعل أسلافه، ما عرّضه لانتقادات عنيفة في بلاده. لكن مع اقتراب المعركة الانتخابية وفي مواجهة الانتقادات الحادة والمستمرة التي تكيلها المعارضة لسياسته الخارجية، التي تعدّ مجاملِة وضعيفة، خصوصاً إزاء إيران والصين، وضغوط اللوبي العسكري ـ الصناعي الذي يرى في انسحاب القوات الأميركية من العراق وأفغانستان خسارة مالية ضخمة، ويرى في غياب عدوّ محدّد تمام التحديد خطراً صناعياً حقيقياً، إزاء ذلك كله شدد أوباما لهجته حيال بكين وفي ملفات عدة.
أما من الجانب الجمهوري فإذا ما كان المحافظون الجدد معادين كل العداء للصين ويكافحون منذ سنوات في سبيل استقلال تايوان، فإن المرشح الرئاسي ميت رومني، الذي تعد ثقافته الدولية ضحلة ضحالة ثقافة جورج. و. بوش تقريباً عند انتخابه، يتخذ مواقف صارمة بصدد النزاعات الكبرى بين البلدين: قيمة العُملة الصينية اليان، والملكية الفكرية، وحقوق الإنسان.

نصوص من ورقة بحث بعنوان العلاقات الصينية ـ الأميركية: الوضع الراهن، آفاق التطور والاستراتيجيات.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.