من نواصي الخيل إلى سرجها: أمثال عربية وصينية تروي فلسفة الحياة
منذ زمن قديم، ظل صهيل الخيل يربط بين قلب الصحراء العربية وعمق الحضارة الصينية عبر طريق الحرير، فالخيل لم تكن يوما مجرد وسيلة تنقل، بل كانت “سفيرة” يسكن صهيلها وجدان الشعوب وتحمل رموز العزة والنبل.
وفي الصين يطل علينا “عام الحصان” حسب الأبراج الصينية التقليدية، حاملا معه بشائر الطموح والنجاح والانطلاق السريع نحو آفاق جديدة.
يلتقي الرمزان العربي والصيني في جوهر إنساني واحد يتمثل في الإرادة الصلبة في السعي الدؤوب نحو الغاية. فكما يجسد الحصان العربي تحدي الصحراء واجتياز الفيافي الشاسعة، فإن عام الحصان الصيني يبث في النفوس روح التحدي وبلوغ الأهداف السامية.
ولأن اللغة هي المستودع الأمين لحكمة الشعوب، فإننا نجد في الأمثال الشعبية العربية والصينية تلاقيا مذهلا يثبت أن القيم العظيمة لا تعرف حدودا جغرافية ولا حواجز ثقافية.
وانطلاقا من هذا التقاطع الحضاري، اخترنا باقة من الأمثال المستلهمة من “الخيل” لنلمس من خلالها التناغم الفريد بين الثقافتين العربية والصينية.
في الحديث عن البركة والنجاح، يقول العرب “الخيل معقود في نواصيها الخير”، بينما يردد الصينيون قولهم الشهير “ما داو تشنغ قونغ”، أي أن النجاح يتحقق فور وصول الخيل. في الثقافتين معا، ارتبط الحصان بالبشارة الحسنة والظفر، ليغدو رمزا لقدوم الخير وتحقيق الأهداف، ودليلا على الجدارة والإنجاز.
أما حين يتعلق الأمر بالأخطاء والنكسات، فيستحضر العرب حكمتهم القائلة “لكل جواد كبوة”، وهي فكرة يتردد صداها في المثل الصيني “رن يو شي تسو، ما يو شي تي”، أي “حتى الإنسان الماهر يخطئ، وحتى الخيل الأصيلة قد تتعثر”. وهنا، تلتقي الثقافتان عند معنى إنساني عميق مفاده أن العثرة لا تنقص من القيمة، وأن الخطأ ليس سوى محطة عابرة في مسار السعي والنجاح.
وفي باب العزة والشجاعة، ورد في الشعر العربي “أعز مكان في الدنى سرج سابح”، بينما يعبر الصينيون عن معنى قريب بالشعر الصيني القديم “قونغ مينغ تشي شيانغ ما شانغ تشيوي”، أي أن المجد والشهرة لا يكتسبان إلا على صهوات الخيل، عبر خوض المعارك وتحقيق الإنجازات. وفي الثقافتين معا، يغدو الحصان رمزا للطريق الشاق نحو العزة والشرف، ودلالة على أن الكرامة الحقيقية تنتزع بالفعل والإقدام والشجاعة.
وفي الحديث عن الجودة والتميز، يقال في الموروث العربي “الفارس لا يمتطي إلا الخيول الأصيلة”، بينما يعبر الصينيون عن الفكرة نفسها بقولهم “هاو ما بي هاو آن”، أي “الخيل الأصيلة تستحق سرجا جيدا”. ويعكس المثلان فلسفة مشتركة تؤمن بأن التميز لا يكتمل إلا ببيئة تليق به، وأن الجودة الحقيقية تحتاج إلى تقدير ودعم من المستوى نفسه لتتجلى بكامل بهائها.
وفي مقام الإصرار والعزم رغم المصاعب، يقول العرب “الخيل تجري على مساويها”، في إشارة إلى أن الحصان الأصيل، وإن أثقلته الجراح والعيوب، فإن كبرياءه وعتقه يدفعانه إلى الجري وبذل الجهد. وهو معنى يلتقي، على نحو لافت، مع الحكمة الصينية “لاو جي فو لي، تشي تساي تشيان لي”، التي تصوّر الخيل المسنّة وقد قيدها الوهن في مرابطها، بينما لا يزال طموحها يتطلع إلى قطع آلاف الأميال. وبينما يمتدح العرب في الحصان شموخه الذي لا ينكسر بالألم، يقدّر الصينيون تلك الروح التي لا تشيخ ولا يستسلم جوهرها لمرور الزمن، لتعكس الثقافتان معا تقديرا عميقا للإرادة الصلبة.
وعلى الرغم من التباعد الجغرافي والثقافي بين الحضارتين العربية والصينية، إلا أن نظرة كل منهما للحصان تكشف عن قواسم إنسانية مشتركة عميقة وتجسد مكانته كأيقونة ثقافية تحمل آمال الشعوب وقيمها السامية. ومن ثم، فإن استحضار هاتين الرؤيتين معا يذكّرنا بأن الجمال والقوة الروحية للحصان يشكلان لغة عالمية، تختزل تاريخا من الشراكة والإعجاب، وتظل رمزا خالدا للإنجاز والعطاء في رحلتنا البشرية المشتركة.



