موقع متخصص بالشؤون الصينية

(صوت الجنوب) وجهة نظر: الصين.. قوة الأبواب المفتوحة في زمن الحروب المغلقة

0

في لحظةٍ إقليمية شديدة الهشاشة، حيث يتقاطع التصعيد العسكري بين إسرائيل والولايات المتحدة من جهة، وإيران من جهة أخرى، تبدو الصين واحدة من القوى الكبرى القليلة التي لا تتحرك بمنطق الاصطفاف الحاد، بل بمنطق إدارة الممرات المفتوحة بين الخصوم، وهذا ليس تفصيلاً دبلوماسياً عابراً، بل قد يكون بالضبط ما تحتاجه المنطقة اليوم: قوة كبرى تملك المصالح لكنها لا تتصرف بعقلية الحصار، وتملك النفوذ لكنها لا تستهلكه بالشعارات، وتملك القدرة على مخاطبة جميع الأطراف من دون أن تغلق الباب في وجه أحد.

هذا المنهج يمنح بكين فرصة حقيقية للعب دور مركزي في تثبيت الاستقرار ووقف الحرب، لا بوصفها طرفاً بديلاً عن أحد، بل بوصفها ضامناً لإبقاء السياسة حيّة عندما يتسيد المنطق العسكري في زمن الحرب، ففي عالم تتسارع فيه الأزمات وتضيق فيه مساحة العقل، تبدو الصين وكأنها تحاول إعادة التوازن إلى فكرة الحوار نفسها باعتبارها الأداة الوحيدة القادرة على منع الانفجار الشامل.

الصين، في مقاربتها للأزمة، لا تتحدث بلغة انتقائية.. خطابها السياسي يركز على وقف التصعيد، والدعوة إلى ضبط النفس، ومنع اتساع الحرب إلى الإقليم بأكمله.

هذا الخطاب لا يكتفي بإدانة الانفجار العسكري، بل يحاول رسم إطار للخروج منه: وقف العمليات العسكرية، احترام سيادة الدول، حماية الملاحة الدولية وإمدادات الطاقة، والعودة إلى المسار السياسي بوصفه الطريق الوحيد القادر على كسر دائرة التصعيد.

هذه المقاربة ليست مجرد خطاب نظري، بل امتداد لنهج دبلوماسي طويل تحاول الصين من خلاله ترسيخ فكرة الاستقرار عبر المصالح المشتركة. فبكين تدرك أن الشرق الأوسط ليس مجرد ساحة صراع، بل عقدة حيوية للاقتصاد العالمي، وأن استمرار الحرب في هذه المنطقة لن يضر بدولها فقط، بل سيهدد سلاسل الطاقة والتجارة الدولية، ويعيد إنتاج موجات جديدة من عدم الاستقرار.

ولعل التجربة الأبرز التي كشفت قدرة الصين على لعب دور الوسيط الفعّال كانت رعايتها لاستئناف العلاقات بين السعودية وإيران، وتلك الخطوة لم تكن مجرد حدث دبلوماسي عابر، بل نموذجاً جديداً لكيفية إدارة الصراعات في الشرق الأوسط. فقد أثبتت أن بكين تستطيع أن تجمع قوتين إقليميتين كبيرتين عند نقطة توازن، وأن تقدم نموذجاً للوساطة يقوم على المصالح الاقتصادية والتنمية المشتركة، بدلاً من الخطابات الأيديولوجية أو الاصطفافات العسكرية.

اليوم، ومع تصاعد المواجهة بين إسرائيل والولايات المتحدة من جهة وإيران من جهة أخرى، يبرز الدور الصيني المحتمل في عدة مسارات متوازية، أولها القدرة على الحفاظ على قناة تواصل مفتوحة بين الأطراف المتصارعة، وهو أمر بالغ الأهمية في لحظة تتآكل فيها الثقة المتبادلة. وثانيها أن الصين تمتلك مصلحة استراتيجية واضحة في حماية الممرات البحرية وإمدادات الطاقة، ما يجعلها معنية مباشرة بوقف أي حرب يمكن أن تعطل التجارة العالمية.

أما المسار الثالث فيتعلق بالنفوذ الاقتصادي الهائل الذي تملكه الصين في المنطقة. فبكين ليست مجرد وسيط سياسي، بل شريك اقتصادي رئيسي لكثير من دول الشرق الأوسط، هذا النفوذ يمنحها قدرة إضافية على التأثير، لأن الاستقرار بالنسبة للصين ليس شعاراً دبلوماسياً، بل شرطاً أساسياً لاستمرار مشاريع التنمية والتعاون الاقتصادي التي تربطها بدول المنطقة.

 

ممثلو دول يصوتون على مشروع قرار خلال اجتماع لمجلس الأمن بمقر الأمم المتحدة في نيويورك، في 30 يناير 2026. (صورة أرشيفية، شينخوا)

لكن أحد أكثر الجوانب إثارة للاهتمام في السياسة الصينية تجاه الأزمة يتمثل في موقفها داخل مجلس الأمن.. فامتناع الصين عن التصويت على القرار الدولي الذي يدين إيران لم يكن خطوة عابرة أو تعبيراً عن حياد سلبي، بل يمكن قراءته كجزء من استراتيجية أوسع يمكن تسميتها بـ”سياسة الباب المفتوح وقت الأزمات”، وهذه السياسة تقوم على مبدأ بسيط لكنه عميق: الحفاظ على القدرة على التحدث مع جميع الأطراف في اللحظة التي تنقطع فيها خطوط الاتصال بينهم. فالدبلوماسية لا تعمل إذا تحولت إلى أداة عقاب فقط، بل تحتاج إلى مساحة تسمح للوسيط بأن يبقى مقبولاً لدى الجميع.

من هذا المنطلق، يبدو الامتناع الصيني محاولة للحفاظ على التوازن بين الاعتراف بمخاطر التصعيد وبين تجنب إغلاق باب الوساطة مع طهران. فبكين تدرك أن أي قرار دولي يتحول إلى منصة مواجهة مباشرة قد يدفع الأطراف إلى مزيد من التشدد، ويقضي على أي فرصة لاحتواء الأزمة سياسياً.

إنها مقاربة مختلفة عن منطق الاستقطاب التقليدي. فبدلاً من الانحياز الكامل إلى أحد المعسكرين، تحاول الصين أن تحافظ على موقع يسمح لها بلعب دور الجسر بين الخصوم. وهذا الدور قد يكون بالغ الأهمية في لحظة يتراجع فيها عدد القوى القادرة على التواصل مع جميع الأطراف في آن واحد.

الصين تدرك أيضاً أن استمرار الحرب في هذه الجبهة سيخلق ثلاث أزمات متزامنة: اضطراباً حاداً في أسواق الطاقة، تصاعداً في استهداف البنية التحتية المدنية والاقتصادية، واتساع رقعة الصراع ليشمل مناطق جديدة من الشرق الأوسط. لذلك فإن دعوتها إلى التهدئة ليست مجرد موقف أخلاقي، بل قراءة استراتيجية لمخاطر انفلات الصراع.

ولهذا السبب، تبدو بكين اليوم وكأنها تقدم نموذجاً مختلفاً لدور القوى الكبرى في الأزمات الدولية. فهي لا تعرض نفسها كقوة مهيمنة، بل كقوة توازن. ولا تبني نفوذها على التصعيد العسكري، بل على قدرتها على إبقاء قنوات الحوار مفتوحة في أكثر اللحظات توتراً.

الخلاصة أن الصين قد تكون واحدة من القوى القليلة القادرة على لعب دور حاسم في احتواء هذه الحرب إذا تصاعدت. ليس لأنها تمتلك القوة العسكرية الأكبر في المنطقة، بل لأنها تمتلك شيئاً أكثر أهمية في لحظة الأزمات: القدرة على الحديث مع الجميع، والرغبة في تحويل الصراع من ساحة النار إلى طاولة السياسة.

وفي شرق أوسطٍ أنهكته الحروب والاصطفافات، قد تصبح هذه البراغماتية الهادئة أكثر الأدوات قيمة. فالعالم لا يحتاج اليوم منتصراً جديداً في هذه الحرب، بل يحتاج قوة كبرى قادرة على منع الجميع من السقوط في الهاوية نفسها. وربما لهذا السبب تحديداً تبدو الصين في هذه اللحظة المضطربة أقرب إلى دور صانع التوازن في زمن فقد فيه كثيرون القدرة على التوازن.

 

ملحوظة المحرر: الدكتور محمد العرب، هو خبير ومحلل بحريني، ورئيس مركز العرب للرصد والتحليل.

الآراء الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب ولا تعكس بالضرورة آراء وكالة أنباء ((شينخوا)).

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.