موقع متخصص بالشؤون الصينية

رأي: لا تصنع القوة سلامًا دائماً، ولا تجلب الحرب استقرارًا إقليميًا

0

لي جيان يو (ناصر)*:
في 28 فبراير 2026، بعد الجولة الثالثة من المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران منذ مطلع الشهر، شنت إسرائيل والولايات المتحدة هجومًا عسكريًا مشتركًا واسع النطاق على إيران، ونفذتا عملية اغتيال استهدفت المرشد الإيراني آية الله خامنئي وعدداً من القيادات العسكرية والسياسية. ثم ردّت إيران على الفور بضرب منشآت عسكرية أمريكية وإسرائيلية في الشرق الأوسط، وكذلك استهدفت عددا من الدول العربية المجاورة بما في ذلك البحرين والكويت والإمارات العربية المتحدة وقطر ودول أخرى، الأمر الذي أدى إلى وقوع انفجارات متعددة في أبو ظبي، وإغلاق مؤقت لمطار دبي، وتعطيل الملاحة في مضيق هرمز. وحتى الآن، يستمر الصراع منذ أكثر من شهر دون مؤشرات واضحة على انحساره، مما يؤثر بشكل متواصل على الأمن الإقليمي والاقتصاد العالمي.

 

أزمة جديدة تكشف هشاشة النظام الدولي
لا شك أن هذا الصراع قد أثر بشكل عميق على النظام العالمي والوضع الإقليمي، كما يعكس إشكاليات جديدة ناجمة عن تصاعد التنافس الجيوسياسي في المرحلة الراهنة.

أولاً، شهد العالم تحولاً جذرياً في الدور الدولي للولايات المتحدة، إذ انتقل من كونها مهندس النظام الدولي وحاميه بعد الحرب العالمية الثانية، إلى طرف يقوّض هذا النظام ويعترض عليه. لم يكن من المتوقع أن يقع الهجوم الأمريكي الإسرائيلي على إيران في مرحلة حاسمة من المفاوضات الأمريكية الإيرانية. قبل 48 ساعة فقط من الهجوم، أفادت تقارير إعلامية بأن الجانبين قد أحرزا تقدماً ملحوظاً بشأن رفع العقوبات. لكنّ الولايات المتحدة شاركت، بصفتها طرفاً أساسياً في المفاوضات، بصورة مباشرة في اغتيال زعيم الطرف المفاوض الآخر بينما وعدت بحل الأزمة النووية عبر القنوات الدبلوماسية، مما قوّض بشكل صارخ مصداقية النظام الدبلوماسي الحديث بين دول ذات السيادة والمعايير التي يقوم عليها.

ثانيًا، أصبح أمن دول الجنوب العالمي، ولا سيما الدول الصغيرة والمتوسطة منها، هشًا جدًا في العالم الحالي. لقد دقت عمليات الاغتيال المتتالية التي استهدفت قادة إيران وفنزويلا جرس الإنذار للدول الأخرى. وهذا يعني أن قدرة الدول غير الموالية للغرب، حتى بعض “حلفاء العالم الغربي”، على حماية أمنها القومي ومنع التغلغل الأجنبي، موضع تساؤل. كما تظل قدرة دول العالم الثالث على الحفاظ على استقلالها وتشكيل قوة موحدة في مواجهة الإمبريالية والهيمنة، مسألة مطروحة بإلحاح.

ثالثًا، تتشابك التناقضات الداخلية والخارجية في الشرق الأوسط. من ناحية، إن جوهر الصراع الحالي بين إيران والولايات المتحدة/إسرائيل هو امتداد للصراع الفلسطيني الإسرائيلي، الأمر الذي يعكس توسع طموحات إسرائيل الصهيونية للهيمنة الإقليمية. ومن ناحية أخرى، لطالما افتقرت دول أخرى في الشرق الأوسط إلى الثقة الاستراتيجية، وعجزت عن اتخاذ قرارات مشتركة بسبب عوامل تاريخية، مما جعلها عرضة للتدخل الخارجي. تتطلب تنمية الشرق الأوسط معالجة القضايا التاريخية، وتعزيز الوحدة الإقليمية والاعتماد على الذات، لتحسين بيئة الأمن الإقليمي بشكل جذري.

رابعًا، تشكّل أنماط جديدة من الحروب تحديًا للمعايير الأخلاقية وقواعد القانون الدولي القائمة. فمن جهة، تتلاشى الحدود الفاصلة بين الحرب التقليدية وغيرها من أشكال الصراع تدريجياً، وظهرت بشكل متكرر أنماط من “الحروب غير المعلنة رسميا” مثل العمليات العسكرية الخاصة، مما يُشكّل تحديًا متزايدًا لمفهوم الحرب المحدود بالقانون الدولي وقيوده المفروضة على شنّ الحروب بين الدول. ومن جهة أخرى، استُخدمت التقنيات المتقدمة على نطاق واسع كالذكاء الاصطناعي والطائرات المسيّرة العسكرية في ساحات المعارك، وأعاد “التحالف بين وادي السيليكون وواشنطن” تشكيل التصورات السائدة عن الحرب الحديثة.

 

رؤية الصين: إيجاد طريق إلى استقرار إقليمي دائم
أولًا، يجب احترام سيادة كل دولة وسلامة أراضيها. فهذا مبدأ أساسي في العلاقات الدولية الحديثة، وركيزة مهمة للحفاظ على النظام الإقليمي. سواء كانت الضربات العسكرية المفاجئة التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران، أو أعمال إيران الانتقامية ضد الدول المجاورة، فكلاهما يُعدّ انتهاكاً صارخاً لسيادة الدول المستقلة وسلامتها الإقليمية. ينبغي أن يكون احترام سيادة كل طرف وتجنب انتهاك السلامة الإقليمية المبدأ الأساسي للدول الإقليمية في التعامل مع الخلافات.

ثانيًا، تجنّب استهداف المدنيين أو المنشآت المدنية في أي عمل عسكري. وهذا مبدأ أساسي من مبادئ القانون الدولي الإنساني وإجماع أخلاقي للمجتمع الدولي أيضا. خلال هذا الصراع، لم تُبدِ العمليات العسكرية الأمريكية والإسرائيلية ضد إيران أي اكتراث بسلامة المدنيين، بل وأسفرت عن مقتل أكثر من 160 طفلاً في مدرسة ابتدائية محلية. كما أدى رد إيران على دول الخليج المجاورة إلى تعرّض أهداف مدنية ومدنيين للخطر، وهجمات على سفن تجارية في مضيق هرمز. في أي وضع متوتر، يجب على جميع الأطراف ضبط النفس وتجنب التصعيد إلى الحد الذي يُهدد حياة المدنيين. إن حماية أرواح الناس العاديين وظروفهم المعيشية الأساسية ليست مجرد التزام قانوني، بل هي أيضاً مسؤولية إنسانية.

ثالثا، لا يُمكن تحقيق الاستقرار الإقليمي من خلال التفوق العسكري الأحادي. تدلّ التجربة التاريخية لحربي أفغانستان والعراق على أن النظام المفروض بالقوة غالباً ما يكون هشاً وقصير الأمد. غالبًا ما تسفر الأعمال العسكرية الأمريكية واحتلالاتها العسكرية في الشرق الأوسط عن تصاعد العداء المحلي لها، مما يحفز ظهور الأفكار المتطرفة ومنظّمات الإرهاب التي تنتشر في أنحاء العالم. ومن المؤكد أن الحرب بين إيران والولايات المتحدة\إسرائيل ستزيد من انتشار التطرف والإرهاب وتشكّل أحد أبرز عوامل عدم الاستقرار في المنطقة. إن الاستقرار الحقيقي والدائم يقوم على الثقة المتبادلة والتعاون المؤسسي وآلية أمنية إقليمية مشتركة.

لا تصنع القوة سلامًا مستدامًا، ولا تجلب الحرب استقرارًا إقليميًا. بالنسبة لشعوب هذه المنطقة، لا يمثل السلام مجرد هدف مثالي، بل هو أيضاً الحاجة الأكثر واقعية وإلحاحاً. وتأمل الصين أن تجد جميع الأطراف في الشرق الأوسط سبلاً لحل خلافاتها بالعقلانية وضبط النفس، وأن تستبدل المواجهة بالحوار، والصراع بالتعاون، حتى تعود هذه الأرض، بحضارتها العريقة، جسراً يربط العالم وينعم بالازدهار.

* مساعد باحث في مركز الدراسات الشرق الأوسطية، جامعة صن يات-سين

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.