وجهة نظر: التعاون الصيني-العربي: من تكامل الموارد إلى التقارب الاستراتيجي
بقلم: هبة عباس
قبل سبعين عاما، نُسجت أولى خيوط الثقة الدبلوماسية بين الصين والعالم العربي، ولم يكن في الحسبان آنذاك أن تبلغ هذه الشراكة ما بلغته اليوم من عمق واتساع. واليوم، ومع انعقاد منتدى الجنوب العالمي رفيع المستوى لوسائل الإعلام ومراكز الفكر- مؤتمر الشراكة العربي الصيني في القاهرة بمشاركة القادة والمفكرين، ومع اقتراب القمة الصينية-العربية الثانية، تقف هذه الشراكة شاهدا لا على ما تحقق فحسب، بل على ما أصبح ممكنا.
ومن الكويت، في لحظة تشهد فيها المنطقة تحولات متسارعة، تكتسب هذه المناسبة ثقلا خاصا.
هذه ليست مجرد ذكرى سنوية، بل لحظة مفصلية يُعاد فيها النظر في مسار العلاقات الصينية-العربية، لا بما أُنجز فحسب، بل بما أصبح في المتناول.
–أسس حضارية تتجاوز الدبلوماسية
لفهم هذه العلاقة، لا بد من النظر إلى ما وراء الدبلوماسية الرسمية، والعودة إلى عمقها التاريخي. منذ أكثر من ألفَي عام، ربط طريق الحرير بين الشرق والغرب في تبادلٍ متواصل للبضائع والأفكار والمعرفة. لم يكن مجرد طريق تجاري، بل منظومة حضارية متكاملة.
نقل الورق الصيني إلى العالم العربي أسهم في ازدهار المعرفة، وأسهمت الرياضيات العربية في تطوير أدوات الحساب في الصين. ولم يكن هذا التبادل تبادلًا في المنافع فحسب، بل اتساعًا في آفاق الحضارات وتراكما في خبراتها.
ومن الكويت- التي شكّلت عبر تاريخها نقطة التقاء بين الشرق والغرب- لا يبدو هذا الإرث فكرة مجردة، بل واقعًا حيًا ينعكس في هوية وطنية تشكّلت بفعل التجارة والانفتاح. وكالصين، أدركت الكويت أن الانفتاح، حين يستند إلى ثقة ورؤية، ليس مصدر ضعف، بل ركيزة قوة.
وعندما أقامت الدول العربية علاقاتها مع جمهورية الصين الشعبية الصديقة في منتصف القرن الماضي، لم تكن تبدأ من فراغ، بل كانت تؤطر علاقة ممتدة عبر قرون من التفاعل والتبادل. حضارتان تلتقيان مجددًا في سياق حديث، على أساس الاحترام المتبادل.
وهذا ما يواصل تشكيل هذه العلاقة حتى اليوم.
— من تكامل الموارد إلى التقارب الاستراتيجي
انطلق الفصل الحديث من العلاقات على أساس واضح: الطاقة والتجارة. احتاجت الصين إلى شركاء موثوقين في تأمين الطاقة، ووجد العالم العربي في الصين شريكًا مستقرًا وطويل الأمد.
ومع مرور الوقت، اتسعت التدفقات التجارية، وتعزّزت سلاسل الإمداد، وترسّخت الثقة، في نموذج متكامل حقق منفعة متبادلة للطرفين.
غير أن تكامل الموارد، مهما بلغ من نجاح، لا يمثل نهاية المسار، بل يشكّل أساسًا تُبنى عليه مراحل أكثر تقدمًا من التعاون.
واليوم، تتجه العلاقات نحو مرحلة أعمق-مرحلة التقارب الاستراتيجي. إذ تشهد الاقتصادات العربية تحولات هيكلية نحو التنويع، والتقدم التكنولوجي، والاستدامة بعيدة المدى، فيما تمتلك الصين خبرة متراكمة في مسارات التنمية الشاملة والتحول الصناعي.
وفي هذا الإطار، لم يعد التعاون يُقاس بحجم التبادل فقط، بل بدرجة التنسيق-بين الرؤى الوطنية، وأطر السياسات، وأولويات التنمية طويلة المدى.
— التنمية كمسار مشترك
تجلّى هذا التحول بوضوح من خلال التعاون التنموي، حيث أسهمت مبادرة الحزام والطريق في إعادة تشكيل نطاق العلاقات الصينية-العربية، ناقلةً إياها من تبادل ثنائي إلى إطار أوسع يقوم على الترابط والنمو المنسّق.
وعبر العالم العربي، تم تطوير الموانئ، وتعزيز الممرات اللوجستية، وإنشاء المناطق الصناعية، وربط الأسواق بشكل أعمق. وهذه ليست مشاريع متفرقة، بل مكونات ضمن منظومة تنموية متكاملة تعزز الاندماج في سلاسل القيمة الإقليمية والعالمية.
وفي منطقة الخليج، يتجلى هذا التحول في التوافق المتزايد بين رؤية الصين بعيدة المدى وخطط التنمية الوطنية، حيث باتت مسارات التنويع الاقتصادي، وتوسيع البنية التحتية، والارتقاء التكنولوجي تتقدم بشكل متكامل لا متوازٍ.
كما قدّمت الصين، من خلال تجربتها التنموية، خبرة عملية في التخطيط طويل الأجل، والتنمية القائمة على البنية التحتية، وتنسيق السياسات-وهي عناصر تتماشى مع أولويات الدول العربية.
وبذلك، لم تعد الصين شريكًا في التنفيذ فحسب، بل مساهمًا في رسم ملامح المسار التنموي لدول الجنوب العالمي.
— من التعاون إلى الإبداع المشترك
يشهد التعاون الصيني-العربي تحولًا أكثر حسمًا-من التعاون إلى الإبداع المشترك.
لم يعد هذا التفاعل يُقاس بتبادل الموارد أو تنفيذ المشاريع فحسب، بل يتشكّل اليوم عبر التعاون في القطاعات التي ستحدد المرحلة المقبلة من التنمية العالمية، وفي مقدمتها البنية التحتية الرقمية، والطاقة المتجددة، والتصنيع المتقدم.
لم يختفِ طريق الحرير، بل تطوّر.
فما كان شبكة مادية للتبادل، أصبح منصة متعددة الأبعاد تربط السلع ورؤوس الأموال والمعرفة.
وفي منطقة الخليج، يتجلى هذا التحول بوضوح. فالشراكات الرقمية تدعم تطوير المدن الذكية، ويسهم التعاون في الطاقة المتجددة في تحقيق أهداف الاستدامة الطموحة، كما تعزز التقنيات المتقدمة في إدارة المياه كفاءة الموارد وتُطيل من جدواها.
ومن خلال عملي في قطاع البنية التحتية والمرافق، بات واضحًا أن المشاريع لم تعد تُدار كأصول منفصلة، بل كمنظومات مترابطة تتطلب تنسيقًا مستمرًا وقدرة على التكيّف.
وهذه المرحلة لا تُعرَّف بالحجم وحده، بل بالتكامل-بالقدرة على الانتقال من بناء المشاريع إلى تشكيل مآلات التنمية بعيدة المدى.
— مبادئ مشتركة في عالم متغير
يرتكز التعاون الصيني-العربي، فيما وراء الاقتصاد والتكنولوجيا، على توافق واضح في المبادئ.
في بيئة دولية تتسارع فيها التحولات، تمسّكت كلٌّ من الصين والدول العربية بمبادئ المساواة في السيادة، وعدم التدخل، وحق كل أمة في اختيار مسارها التنموي.
ويتجلى هذا التوافق في رؤية بناء مجتمع المصير المشترك للبشرية وتعززها مبادرات التنمية العالمية، والأمن العالمي، والحضارة العالمية، وحوكمة الذكاء الاصطناعي.
ولدى العديد من الدول العربية، تتقاطع هذه المقاربة مع أولوياتها في تحقيق التنمية مع الحفاظ على الاستقلالية.
— الجنوب العالمي كقوة مؤثرة
لم يعد الجنوب العالمي يُعرَّف فقط ببعده الاقتصادي، بل يبرز قوة جماعية ذات تأثير متنامٍ في تشكيل ملامح النظام الدولي.
وتلعب الصين والعالم العربي دورًا محوريًا في هذا التحول، من خلال تعزيز التعاون وبناء منصات للحوار وصياغة رؤى مشتركة.
ويمثل منتدى الجنوب العالمي رفيع المستوى لوسائل الإعلام ومراكز الفكر- مؤتمر الشراكة العربي الصيني، منصة مهمة في هذا السياق، حيث يوفّر فضاءً للتنسيق عبر المناطق، ويعزّز صوت الدول النامية، ويدعم مسارات التحديث المنبثقة من الأولويات الوطنية.

— شراكة حضارية
في أعمق مستوياتها، تنهض الشراكة الصينية-العربية على تقارب حضاري يتجاوز السياسة إلى منظومة قيم مشتركة.
في كلا التقليدين، يبرز تأكيد واضح على العمل الجماعي، والتفكير بعيد المدى، ومسؤولية المجتمعات في رسم مساراتها.
قال كونفوشيوس: “لا تفرض على الآخرين ما لا ترضاه لنفسك”.
وأكد ابن خلدون أن الحضارات تقوم على التماسك الجماعي.
ورغم اختلاف السياقات، إلا أن المعنى يلتقي في جوهر واحد-أن التقدم الإنساني يكون أكثر ديمومة حين يقوم على الاحترام المتبادل والسعي المشترك.
واليوم، يتجلى هذا التقارب في التبادل الثقافي، والشراكات التعليمية، والتعاون المهني الذي يعزّز الفهم ويبني الثقة عبر الأجيال.
ومن تجربتي في العمل عبر قطاعات وسياقات متعددة، يتضح أن هذا التوافق ليس نظريًا، بل ينعكس في كيفية بناء الشراكات وتقييم مآلاتها بعيدة المدى.
— نحو المستقبل: شراكة تصنع الاتجاه
مع اقتراب القمة الصينية-العربية الثانية، ينتقل التركيز من التوسع إلى تعميق الشراكة.
المرحلة القادمة تتطلب مستوى أعلى من التنسيق في مجالات الطاقة، والتحول الرقمي، والصناعة، إلى جانب الاستثمار في التعليم وتبادل المعرفة.
قبل سبعين عامًا، أُطّرَت العلاقة دبلوماسيًا، وقبل ذلك بقرون، بُنيت حضاريًا.
واليوم، من الكويت، يبدو الاتجاه واضحًا.
لم تعد هذه العلاقة تُقاس بما يُتبادل أو يُبنى، بل بمدى تحويل الرؤية إلى واقع-عبر الزمن، وعبر القطاعات، ومن جيل إلى جيل.
ما يتشكّل اليوم ليس مجرد مرحلة جديدة، بل مسار طويل المدى متجذّر في الغاية المشتركة وواضح في اتجاهه.
الفصل القادم سيُحدَّد بخيارات هذا الجيل-يقودها الطموح، ويعزّزها العمل، وتوحّدها الإرادة.
وعلى هذا المستوى، لا تكتفي هذه الخيارات بتعزيز الشراكة.
بل ترسم ما سيأتي- من جيل إلى جيل.
ملحوظة المحرر: المهندسة هبة عباس محمد عباس، هي رئيسة لجنة الاستدامة في جمعية المياه الكويتية ومستشارة فنية لدى الجمعية، وعضو اللجنة التنفيذية للمؤتمر العالمي للمرافق 2026.
الآراء الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتبة ولا تعكس بالضرورة آراء وكالة أنباء ((شينخوا)).