موقع متخصص بالشؤون الصينية

الصين تدفع التوارث الدينامي للتراث الثقافي

0

يعد شهر يونيو الجاري موسم الحصاد في قرية بالينغ التابعة لمدينة قونغيي الواقعة في مقاطعة خنان بوسط الصين، حيث تغطي حقول القمح الذهبي الأرض، كما تقف التماثيل الحجرية الشاهقة صامتة، بينما تتنقل آلات الحصاد ذهابا وإيابا.

وقد نُحتت هذه التماثيل خلال عهد أسرة سونغ الشمالية (960-1127)، وتصطف على جانبي الطريق المؤدي إلى الأضرحة الإمبراطورية القريبة من القرية. وتضم قرية بالينغ التي تعني حرفيا “الأضرحة الثمانية”، 1027 أثرا حجريا باقيا، ويوصف الموقع بأنه “متحف في الهواء الطلق للمنحوتات القديمة”.

ويعد الموقع استثنائيا. فبدلا من عرضها خلف زجاج في متحف، تظل التماثيل جزءا لا يتجزأ من الحياة الريفية اليومية على الأراضي الزراعية الخصبة التي شكلها النهر الأصفر.

وبدوره، قال ليانغ، وهو سائح من مقاطعة سيتشوان في جنوب غربي الصين: “هنا عبر هذه الحقول، يبدو التاريخ ملموسا. لا يمكن لأي متحف أن يقدم مثل هذه التجربة الفريدة”.

ومع ذلك، أثار هذا المشهد غير المعتاد بعض التساؤلات. فالبعض يتساءل عن سبب ترك التماثيل معرضة للعوامل الجوية بدلا من وضعها في أماكن مغلقة لحمايتها.

ومن جانبه، أوضح تشو شينغ لي، رئيس إدارة الآثار الثقافية في قونغيي قائلا: “لقد تحملت هذه التماثيل لقرون الشتاء القارس والصيف الحارق. ومن شأن الأغطية الزجاجية أن تعيق تدفق الهواء وتحتجز الحرارة، تماما مثل الساونا، ما يعرض الآثار للخطر”.

ومن وجهة نظر تشو، فإن الحفاظ على الموقع يعني الحفاظ على العلاقة بين الآثار والمناظر الطبيعية التي أحاطت بها على مدى أجيال.

وبالنسبة للمصور الهاوي ليو لي خنغ، فإن هذا التعايش هو بالضبط ما يجعل الموقع جذابا للغاية، حيث يحاول التقاط صور للقطارات فائقة السرعة والتماثيل الحجرية القديمة وحقول القمح الذهبية في إطار واحد. وقال “إنها حوار بين ماضي الصين وحاضرها”.

ويعكس مشهد قرية بالينغ الجهود الأوسع نطاقا التي تبذلها الصين لحماية مخزونها الهائل من التراث الثقافي مع الحفاظ على صلته بالحياة المعاصرة.

وأطلقت البلاد أحدث مسح وطني للتراث الثقافي في عام 2023. ومن المقرر أن ينتهي هذا المسح هذا الشهر، ولم يقتصر هذا الجهد على إعادة فحص ما يقرب من 767 ألف موقع مسجل في التعداد السابق فحسب، بل حدد أيضا أكثر من 130 ألف موقع تراثي إضافي.

وإلى جانب هذه المنحوتات الحجرية الخارجية التي تعود إلى عهد أسرة سونغ، يتم الحفاظ على عدد هائل من الآثار الثقافية الأخرى في المتاحف الصينية، حيث يوجد في البلاد الآن أكثر من 7000 متحف مسجل، استضافت ما إجماليه حوالي 45 ألف معرض وجذبت 1.56 مليار زيارة في عام 2025، بحسب البيانات الرسمية.

واحتُفل يوم السبت الماضي بيوم التراث الثقافي والطبيعي في الصين. وأشارت الهيئة الوطنية للتراث الثقافي إلى أن السلطات والمؤسسات الثقافية في جميع أنحاء البلاد ستقيم أكثر من 7000 فعالية عبر الإنترنت وفي الواقع للاحتفال بهذه المناسبة.

ومع تطور فلسفة الحفاظ على التراث في البلاد، تتجاوز حماية التراث حدود جدران المتاحف.

وأصبح “محور بكين المركزي”، وهو ممر يمتد لمسافة 7.8 كيلومتر من الشمال إلى الجنوب ويربط العديد من المعالم التاريخية للعاصمة، ويعد أحد مواقع التراث العالمي الستين في الصين، معيارا مرجعيا لتحقيق التوازن بين الحفاظ على التراث والنمو الحضري.

وحافظت مشاريع الترميم على المباني التاريخية في مجتمع “تشاوتشانغ” السكني بالقرب من ميدان تيانآنمن، بما في ذلك قاعات النقابات القديمة. وتم تحويل المجمعات السكنية ذات الأفنية الخالية هناك إلى فنادق بوتيك مع الحفاظ على اندماجها في المجتمع السكني المحيط.

وبدوره، قال هاو دونغ شيويه، نائب المدير العام لمجموعة “تيانجيه” التي تدير مشروع الترميم: “نحافظ على الطابع المعماري التقليدي مع إدخال وسائل الراحة الحديثة”، مضيفا: “ساعدت هذه المشاريع أيضا في تحسين المجتمع السكني بشكل عام.”

وبالنسبة للسكان، حافظت التغييرات على الكثير من الأجواء التاريخية للمنطقة. وقالت جياو شو تشين التي تعيش في أحد مجتمعات الهوتونغ السكنية هناك: “لا تزال هذه الأزقة تعطي انطباعا بأنها بكين التقليدية”، مضيفة: “الجدران المبنية من الطوب الرمادي، والأشجار القديمة، والساحات لا تزال موجودة هنا”.

ومن الحراس الحجريين في حقول القمح إلى المجتمعات السكنية المرممة في العاصمة، تعكس مقاربة الصين للحفاظ على التراث استراتيجية وطنية أوسع نطاقا تسعى إلى تحقيق التوازن بين الحفظ والتنمية.

وفي هذا السياق، قال دو شياو فان، مدير مركز أبحاث الأراضي والموارد الثقافية بجامعة فودان الواقعة في بلدية شانغهاي بشرقي الصين، إن حماية التراث يجب أن تركز على الحفاظ على الروابط الروحية والثقافية بين البشرية والتراث، بدلا من الاكتفاء بحفظ الماضي، وذلك لخدمة الأجيال القادمة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.