موقع متخصص بالشؤون الصينية

زيارة ولي عهد أبو ظبي للصين تلقى اهتماما واسعا في الأوساط الإماراتية وترسخ لعلاقات تاريخية بين البلدين

0

قام الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبو ظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة الإماراتية بزيارة دولة إلى الصين في الفترة من 21 إلى 23 يوليو الجاري، التقى خلالها الرئيس الصيني شي جين بينغ في قاعة الشعب الكبري ببكين وكذا رئيس مجلس الدولة الصيني لي كه تشيانغ وغيرهما من كبار القادة الصينيين، حيث تعهد الجانبان الصيني والإماراتي بتعزيز الشراكة الإستراتيجية الشاملة بين البلدين وتعميق أوجه التعاون بينهما ووقعا حزمة من الاتفاقات ومذكرات التفاهم الغنية في المحتوى والمتنوعة في المجالات.

تعد زيارة ولي عهد أبو ظبي للصين دليلا كبيرا على مدى عمق ومتانة العلاقات الثنائية التي تقوم على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة والتعاون المربح للجانبين. فالإمارات شريك تعاوني مهم للصين في الشرق الأوسط ومنطقة الخليج، كما تمضى العلاقات والتعاون الثنائيان بوتيرة مطردة منذ إقامة العلاقات الدبلوماسية بينهما قبل 35 عاما.

وقد قوبلت الزيارة باهتمام واسع في الأوساط الإماراتية حيث ذكرت مقالة نُشرت في الإعلام الإماراتي تحت عنوان (زيارة محمد بن زايد إلى الصين..نقلة نوعية في الشراكة ونجاح عابر لقوة الإمارات الناعمة) أن “أهمية هذه الزيارة تتعاظم بكونها الرابعة لسموه إلى بكين، وتتزامن مع الاحتفال بمرور 35 عاما على تأسيس العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، وبعد عام على الزيارة التاريخية التي قام بها الرئيس الصيني للإمارات، والتي شهدت الارتقاء بمستوى العلاقات بين البلدين إلى شراكة استراتيجية شاملة، وتنسيقا استراتيجيا في مختلف القضايا، بما يخدم الأمن والسلم العالميين”.

كما رأى نصر عارف المدير السابق لمعهد دراسات العالم الإسلامي في جامعة زايد أنه في خضم الوضع المعقد الذي تشهده منطقة الشرق الأوسط بشكل عام والخليج العربي بشكل خاص، تفتح زيارة ولي عهد أبو ظبي للصين ولقاؤه القيادة الصينية طريقا أمام المستقبل وتصنع تاريخا للعالمين العربي والإسلامي، مشيرا إلى أن العلاقات بين الإمارات والصين تقدم مثالا يحتذى به لباقي الدول العربية والإسلامية في التعاون سعيا لتحقيق التنمية والرخاء المشتركين.

وقد تم التأكيد خلال الزيارة على أهمية التعاون القائم على الفوز المشترك في عصر العولمة، وأن العلاقات بين الصين والإمارات تعد نموذجا للتعاون الإستراتيجي بين البلدان المنتمية لمناطق مختلفة وذات الثقافات المختلفة وكذا ذات الأنماط المختلفة.

وفي هذا الصدد، قال محمد إبراهيم الحمادي رئيس تحرير صحيفة ((الرؤية)) إن الاتحاد منذ تأسسه في 1971 يرى المستقبل بعيون مفتوحة ويدرك أنه دون تواصل مستمر مع العالم لا تتقدم الدول للأمام، مضيفا أنه على خطى الأب المؤسس، المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، تسير الإمارات على ذات الدرب، فهي تستهدف شراكات حقيقية، مصدر قوتها ليست فقط الأوراق والاتفاقيات، لكن هناك ما هو أكثر عمقا.

“فنحن دولة يعيش على أرضها أكثر من 200 جنسية مختلفة، في انسجام كامل ووسط ضوابط لا تفرق بين البشر بسبب اعتقاداتهم أو عاداتهم أو خلفياتهم الثقافية أو مكانتهم الاجتماعية. هذه المبادئ الأساسية هي الجذر الحقيقي لثقل وأهمية الشراكات التي تجريها الإمارات مع مختلف دول العالم”، هكذا أوضح الحمادي.

وأكد أن التعاون مع الآخرين هو “عقيدة شعب” و”توجه دولة بالكامل”. وهو الأمر الذي يعطي الشراكة الاستراتيجية مع الصين عمقا أكبر خاصة أن هناك أكثر من 300 ألف صيني يعيشون على أرض الإمارات بانسجام كامل مع باقي الجنسيات ووسط اقتصاد مزدهر ودولة منفتحة على الثقافات.

وشدد الحمادي على أن “العلاقات مع الصين مفيدة للإمارات، بذات القدر الذي تفيد به الصين، لذلك حين يعتبر الرئيس الصيني شي جين بينغ التعاون بين البلدين نموذجا للتعاون الاستراتيجي، فهو يدرك أن هذا النموذج الفريد سيقود لشراكات حقيقية أكثر عمقا في المستقبل”.

ومن ناحية أخرى، أعرب حمد الكعبي رئيس تحرير صحيفة ((الاتحاد)) عن تقديره لدعوة الرئيس شي الجانبين إلى تعزيز المواءمة بين إستراتيجيات التنمية في كل منهما، والتيقن من نجاح محطة الحاويات 2 في ميناء خليفة والمنطقة النموذجية الصينية الإماراتية للتعاون في القدرة الإنتاجية ولعبهما دورا نموذجيا، وكذا دعوته إلى دعم وتوسيع نطاق التعاون الاستراتيجي في قطاع الطاقة.

وتطرق الكعبي إلى مبادرة الحزام والطريق تحديدا، قائلا إن المبادرة تمثل رؤية شاملة لإقامة شبكة اقتصادية عالمية للتجارة والتنمية وإن الإمارات تحرص على أن تكون جزءا منها بفضل موقعها الاستراتيجي وما تتمتع به من بنية تحتية حديثة وقدرات لوجستية متقدمة وعلاقات تجارية متنوعة مع مختلف البلدان، وخاصة الصين، فضلا عن دورها في سوق الطاقة العالمية، ما يجعلها شريكا مثاليا في هذه المبادرة.

وأبرز الكعبي مزايا الإمارات في هذا الصدد، قائلا إن الإمارات، التي تعد بالفعل مركزا رئيسيا على ممر التجارة الإقليمية بين الصين والشرق الأوسط وإفريقيا وأوروبا وما وراءها، من المتوقع أن تجذب كميات أكبر من التجارة التي تمر عبر هذا الممر، لافتا على وجه التحديد إلى أن الأرقام توضح أن حوالي 60 في المائة من التجارة الصينية يعاد تصديرها عبر موانيء الإمارات إلى أكثر من 400 مدينة في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.

وقال إنه يود أن يشير في هذا الصدد إلى تصريح لوزير الخارجية الصيني وانغ يي قال فيه إن “الإمارات ستصبح لؤلؤة لامعة على طول الحزام والطريق”، وهو ما يعكس الدور المحوري للإمارات في مستقبل التجارة العالمية.

كما ذكرت صحيفة ((الاتحاد)) في مقال بعنوان (تقدير صيني متزايد لدولة الإمارات) أن الدولتين تشتركان في الكثير من السمات التي تعطي دفعة قوية لعلاقاتهما الثنائية وتعزز من مستوى التعاون الشامل بينهما، فمن ناحية تمتلكان رؤية طموحة للمستقبل وضرورة الاستثمار فيه، فـ”مئوية الإمارات 2071″، التي تستهدف جعلها أفضل دولة في العالم وأكثرها تقدما، بحلول الذكرى المئوية لقيام الدولة، وذلك في عام 2071، تتشابه في منطلقاتها وأهدافها مع الحلم الصيني المتمثل في “نهضة الأمة الصينية”، بهدف تعزيز مكانة الصين على الساحة الدولية، سياسيا واقتصاديا. كما تشارك الدولتان بفعالية في تحقيق الأهداف الإنمائية للأمم المتحدة، لأنهما تدركان أن تحقيق التنمية الشاملة والمستدامة والتعاون في مواجهة التحديات المرتبطة بها كالفقر والبطالة، ينبغي أن تأتيا في مقدمة أولويات المجتمع الدولي.

وتعليقا على تبادل الصين والإمارات لمجموعة من وثائق التعاون خلال الزيارة، قال نصر عارف إن المشروعات المتضمنة في تلك الوثائق من شأنها أن تغير المشهد الاقتصادي في الشرق الأوسط ككل، وتجلب الأمل للمنطقة بأسرها في هذا العصر الذي يشهد حروبا وصراعات في العديد من بلدان المنطقة.

وأشاد الكعبي بقوة العلاقات الاقتصادية بين البلدين، قائلا إن الصين تعد الشريك التجاري الأول عالميا للإمارات في التجارة غير النفطية، حيث بلغ حجم التبادلات التجارية غير النفطية بين البلدين أكثر من 43 مليار دولار أمريكي في عام 2018.

وخلال زيارة ولي عهد أبو ظبي، أعرب الرئيس شي عن أمله في تحقيق هدف الوصول بحجم التجارة البينية بين البلدين إلى 200 مليار دولار أمريكي بحلول عام 2030.

ورأى الحمادي أن تحقيق هدف الـ200 مليار دولار، سيكون خطوة ممكنة بالفعل في التجارة بين البلدين الصديقين، مضيفا أن توسيع التعاون الاستراتيجي في مجال الطاقة، وبناء القدرات الصناعية المؤثرة وكل هذه الأمور، كانت الإجابة عليها واضحة تماما في كلمة سمو الشيخ محمد بن زايد خلال الزيارة حيث قال “أبوابنا مفتوحة أمام الاستثمارات الصينية”.

وأضاف الحمادي قائلا إنه”يمكن أن نلاحظ كمراقبين تنوع الاتفاقيات والمذكرات التي وقعها الجانبان في بكين، لندرك أن التعاون لن يكون فقط على شكل مصانع وتبادل تجاري، لكنه أيضا في التعليم والتكنولوجيا والبيئة، وهي المجالات الأكثر استدامة”.

وقد أثمرت زيارة ولي عهد أبو ظبي عن إصدار الجانبين الصيني والإماراتي لبيان مشترك بشأن تعزيز الشراكة الإستراتيجية الشاملة بين البلدين، وصفه الرئيس شي بأنه “وثيقة مبادئ توجيهية هامة أخرى في تاريخ العلاقات الصينية الإماراتية”.

وفي هذا الإطار، قالت ابتسام الكتبي رئيس مركز الإمارات للسياسات إنها على يقين بأن هذا البيان المشترك سيكون معلما بارزا آخر يرتقي بالعلاقات الاستراتيجية الشاملة بين البلدين إلى آفاق أرحب، مؤكدة في الوقت ذاته أنه يعكس رغبة قوية لدى قيادتي البلدين في المضي قدما بالعلاقات الإماراتية الصينية في العصر الجديد، والعمل من أجل تنمية ورفاه شعبيهما، وكذا دعم السلام والتعاون والتنمية على الصعيد العالمي.

كما ذكر الحمادي أن البيانات المشتركة لمثل هذه الزيارة تتعدى العبارات البروتوكولية، فهي بالأساس “خطة عمل مستقبلية”، تضمن للبلدين أن يستمر التعاون وأن تظل الاستفادة من هذه الشراكة الاستراتيجية مشتركة وفعالة، مشيرا إلى أنه بعد 35 عاما من علاقات الصداقة، تؤسس الإمارات والصين للخطوة التالية نحو المستقبل، فكلاهما دولة مؤثرة في محيطها وفي العالم، وكلاهما دولتان تراهنان على المستقبل، وتنظران إلى الحاضر باعتباره طريقا إلى الغد.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.