“الشيوعي الصيني” حزب متجدد الشباب يشجع الابتكار ويسعى لتبادل “حوكمته” مع العالم

0

صحيفة الشعب الصينية ـ
بقلم – محمود سعد دياب

صحفي مصري متخصص في الشئون الخارجية والعلاقات الدولية بمؤسسة الأهرام:

لكي تعرف سر صعود الصين وارتقائها كي تصبح في المركز الثاني عالميًا على المستوى الاقتصادي، يجب أن تنظر إلى تجربتها في الحكم الرشيد أو أسلوب الحوكمة الرشيدة والشفافية، الذي وضع بذرته الأولى الحزب الشيوعي الصيني منذ نشأة الجمهورية الجديدة على يد الزعيم ماوتسي تونج ورفاقه الإثنا عشر، واستمرت قيادات الحزب من بعده في التطوير وإعداد الدراسات بما يتوافق مع كل عصر، مع تدارك الأخطاء وتعديل التوجهات ووضع نظام رقابي صارم لمتابعة التنفيذ، ومؤخرًا أضاف الحزب خلال إدارة الزعيم الجديد شي جين بينج بند جديد هو مكافحة الفساد بأوجهه المختلفة وفي مختلف نواحي الحياة، والضرب على المفسدين بيد من حديد مهما كان منصبه أو مكانته.

في هذا المقال نحاول رصد تجربة الحزب الشيوعي الصيني في الحوكمة الرشيدة وإرساء مبدأ الشفافية، وجهود الصين لنقل تلك الخبرات والتجارب إلى دول العالم على طول الحزام والطريق، تلك التجربة التي شهدت تقلبات وتغيرات أهمها على المستوى السياسي التحول من الشيوعية إلى شيوعية مرنة قابلة للتطور مع العصر أطلق عليها لقب الشيوعية ذات الخصائص الصينية.

وعلى المستوى الاقتصادي كان التحول الأكبر بدأ في عام 1979، ودخل حيز التنفيذ مع تطبيق سياسة الإصلاح والانفتاح عام 1979 على يد الزعيم المجدد دينج شياو بينج أحد العظماء الأربعة ممن حكموا الصين، وهي السياسة التي طورها الزعيم الحالي شي جين بينج وأطلق أحدث موجاتها من خلال حزمة إجراءات أهمها مبادرة الحزام والطريق التي تسعى لمشاركة التنمية والربح مع العالم، وفتح الأسواق الصينية أمام الدول، مع اتخاذ إجراءات تعزز من دخول البضائع والاستثمارات الأجنبية إلى البلاد.

تلك الإجراءات التي غيرت نظرة الشرق الأوسط إلى تجربة الحزب الشيوعي، ودفعت كثير من الدول للسعي لنقل تلك التجربة إلى بلدانهم خصوصًا ما يتعلق بالتنمية المستدامة، ولقد كان صديقي إبراهيم موسى عضو حزب المصريين الأحرار أحد المستفيدين من تلك الجهود، هو ومجموعة من كوادر الحزب الذي يعتبر أحد أهم الأحزاب المصرية التي نشأت بعد ثورة 25 يناير، من خلال مشاركتهم في دورة تدريبية استمرت أسبوعين في بكين ومقاطعات صينية أخرى بهدف الاطلاع على التجربة السياسية الصينية، وهي النقطة التي سنأتي لذكرها لاحقًا.

لماذا حزب واحد؟

قبل أن أتعمق في دراسة الحالة الصينية، ظننت مثل كثيرون أن فكرة سيطرة حزب واحد على مقاليد الأمور هو أمر فيه شيء من الديكتاتورية، لكن بدراسة حالة الحزب الشيوعي الصيني، وجدت أن الأمر هنا مختلف تمامًا فهو حزب واحد لكنه يحتضن الجميع تحت مظلته، فالزعيم التاريخي ماوتسي تونج ورفاقه قد بنوا أساس الحزب على اتحاد مجموعة من الأحزاب المتعاونة، تفاديًا لتكرار تجربة تعدد الأحزاب المريرة التي شهدت اضطرابات سياسية بسبب النزاعات بين الأحزاب، ولم يفتهم أيضًا الحيلولة دون وجود ديكاتورية قد تنشأ مع وجود حزب وحيد يحكم البلاد، ما جعل الحزب الشيوعي الصين ليس فقط أقوى وأفضل من الدول ذات الحزبين كما في الولايات المتحدة أو الأحزاب المتعددة.

حزب يجدد شبابه

تجربة نظام التعاون المتعدد الأحزاب، مرت بعثرات حتى نضجت واكتملت ووصلت إلى مرحلة من البراعة بحيث أصبحت كل شئون الدولة تسير بشكل سلس وكل فرد سواء في المجتمع أو الحزب يعرف دوره جيدًا، فما لبث أن أسس الزعيم ماو مبدأ “التعايش الطويل الأمد والرقابة المتبادلة” باجتماع اللجنة المركزية للحزب عام 1956، وتم اكمالها في عام 1982 إلى “التعايش الطويل الأمد والرقابة المتبادلة والمعاملة بالمثل بكل صدق وإخلاص، والاشتراك في السراء والضراء”، وإذا لاحظنا فإن الصينيين لا يتكبرون على الاعتراف بالخطأ وتعديل مسارهم والارتجال وفقًا للتطورات ومعطيات الأحداث والنتائج، والأهم هم أنهم يتعلمون من الخطأ، وبناء على تلك الإجراءات التي تعتبر تقليدًا أصبح الحزب يجدد شبابه باستمرار من خلال آلية متميزة من الابتكار والنقد الذاتيين، مع العمل على اكتساب الخبرات ومنح الفرصة للموهوبين والأفكار الجديدة.

خطط طويلة الأجل

اللافت للنظر أن الحزب الشيوعي قرر أن يتخذ طريقه في التنمية القائمة الحوكمة الرشيدة، بناء على ظروف البلد الوطنية الخاصة وليس على إتباع أعمى لأنظمة أجنبية، فضلا عن حالة الاستقرار التي تمتع بها منحته الفرصة في وضع خطط طويلة الأجل لا تتغير بتغير رأس النظام المتمثل في رئيس الجمهورية، عكس الأنظمة الانتخابية الأخرى التي تغير خططها بتغير النظام الحاكم بل أحيانًا يأتي الجديد كي يهدم ما بناه من قبله من أجل مجد شخصي زائف، وتضع خطط قصيرة الأجل تستهدف الفوز في الانتخابات المقبلة وفي بعض الأحيان لا تفي تلك الأنظمة بما وعدت به.

الدورتين السنويتين

لقد كنت شاهدًا على فعاليات الدورتين السنويتين مارس 2019، وهو أهم حدث سياسي سنوي يحدث في الصين، حيث يجتمع ما يزيد عن 3000 عضو من أعضاء مجلس نواب الشعب “البرلمان”، في اجتماعات بداية دور الانعقاد التشريعي، مع اجتماعات أخرى للمؤتمر الاستشاري الوطني للمجلس، ويعكف الجميع على دراسة الخطط التي وضعها الخبراء وأعضاء المؤتمر خلال عام مضى، ويرسمون سياسات الدولة خلال العام الجديد، مع وضع خطط مستقبلية طويلة الأجل تتناسب مع تغيرات الأوضاع المحلية والعالمية على كل المستويات، هناك توقعت أن تلعب الصين دورًا أكثر فعالية في تحسين أسلوب الحوكمة العالمية وتعزيز تطوير نظام دولي أكثر عدالة ورشدا، خصوصًا مع تشديد الأمين العام للجنة المركزية للحزب شي جين بينج، بضرورة نقل الأفكار الصينية لدول العالم مثل التنمية وتغير المناخ والحفاظ على التجارة الحرة والحفاظ على الأمن والسلم الدوليين، بهدف بناء مجتمع ذي مستقبل مشترك للبشرية، وذلك من خلال مبادرة الحزام والطريق، وسط عالم مضطرب ملئ بالأزمات الإقليمية، إلا أن الصين قبلت ذلك التحدي ومدت يديها لدول العالم لكي يساعدها في تحقيقه، خصوصًا وأن طرق التجارة على طول الحزام والطريق تعزز الترابط بين الدول وترفع مؤشرات الاقتصاد وتجتث الإرهاب الذي ينمو عادة في مجتمعات فقيرة متخلفة.

اعتراف

منذ أسابيع قليلة، اختتمت اجتماعات الدورة الكاملة الرابعة للجنة المركزية الـ19 للحزب الشيوعي الصيني، بالموافقة على قرار الحزب بشأن عدة قضايا رئيسية كان في مقدمتها تطبيق وإكمال نظام الاشتراكية ذات الخصائص الصينية وتعزيز تحديث النظام والقدرة على حوكمة البلاد، الأمر الذي يقدم ضمانة قوية لتحقيق الهدف الطموح باكتمال الصين كدولة قوية عظمى في 2049، ولابد هنا من ذكر أنه رغم الإنجازات فإن الحزب يعترف بمواجهته تحديات في عملية حوكمة البلاد، إذ تفتقر بعض كوادره إلى الرغبة في التعلم والقدرة على معالجة القضايا الشائكة على نحو يحد من قدرة الحزب لتحقيق تنمية واستقرار أكبر، فضلا عن أن الحزب قرر مواجهة ذلك باستكمال بناء وتحديث الأنظمة الفرعية في إطار نظام الاشتراكية، وتعزيز سيادة القانون وتقوية الرقابة على السلطة.

حوكمة اجتماعية حررت قوى الإنتاج

حررت سياسة الإصلاح والانفتاح، خلال سنوات الـ 41 الماضية قوى الإنتاج الاجتماعي في الصين وطوَّرتها، وعزَّزت سرعة التنمية الشاملة للمجتمع، وعمقت التغييرات في مجال الحوكمة الاجتماعية واسعة وعميقة، ما جعل تلك السنوات تشهد تغيرات اجتماعية كبيرة، وأخرجت المجتمع من براثن الفقر وأنهت معاناته طيلة عقود من نير الاستعمار، ناقلةً شريحة كبيرة إلى مصاف الأغنياء ووسعت شريحة الطبقة المتوسطة، ما عزز القوة الشرائية وحول الصين إلى أكبر وأقوى سوق استهلاكي بفضل الحوكمة الاجتماعية التي حررت المواطن وفتحت الباب أمام الابتكار والإبداع وفقًا للظروف الصينية، واتخذت من التكنولوجيا ركيزة للانطلاقة الاقتصادية مع فتح الباب أما السوق الحر مع مراعاة الدور الاجتماعي وانتشال قرابة 750 مليون مواطن من تحت خط الفقر.

نقل التجربة

الصين لم تبخل على دول العالم بنقل تجربتها الناجحة، حيث اجتمع نهاية نوفمبر 2019 قرابة 200 ممثل عن مختلف الأحزاب السياسية حول العالم بمدينة نانتشانغ بمقاطعة جيانغشي شرقي الصين، لتبادل الخبرات في مجال الحوكمة مع الحزب الشيوعي الصيني، وكي يرى العالم كيف ارتقت الصين وحققت تلك الإنجازات كتجربة ملهمة تساعدهم على تحقيق التنمية المستدامة، من خلال خارطة طريق واضحة أبرز معالمها الانضباط والشفافية والتطوير الدائم وفقًا للمتغيرات وظروف كل دولة.

حزب المصريين الأحرار، كان أحد المستفيدين من تلك الدورات التدريبية، حيث شاركت كوادره من مختلف محافظات مصر، في دورة مدتها أسبوعين، وقدم تشو روي، مساعد وزير الاتصال الخارجي للجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني، تقييمًا إيجابيًا تجربة الحزبين في إطار تعزيز تنمية الشراكة الاستراتيجية بين مصر والصين.

وفي حديث خاص معي، قال إبراهيم موسى عضو حزب المصريين الأحرار احد المشاركين في تلك الدورة، إنه كمصري كان فخورًا بعظمة أرض الكنانة وما يحدث فيها من عملية بناء للدولة المدنية الحديثة، علي يد الرئيس عبد الفتاح السيسي مبهورا بما حققه الحزب الشيوعي الصيني في مكافحة الفقر في جيانسغي، وأنه كان واضحا أن الصينيون فخورين بصداقة مصر وقائدها، وأن دائرة العلاقات الخارجية للجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني نجحت في مد علاقات الحزب ليس فقط بمصر لكن على مستوى العالم وجعل الصين الشريك الاستراتيجي الأول لكثير من أحزاب العالم.

وثمن موسى تجربته لدراسة حالة الحزب الشيوعي، مؤكدًا أنه وزملائه زاروا عدة مدن ومقاطعات، لكي يروا بأم أعينهم كيف انتشلت الصين هذا العدد الضخم من الفقر، موضحًا أنه أثناء زيارته لمتحف الفخار والخزف استمع إلى شرح دقيق عن مدينة جينغ ده تشن وتاريخ صناعة الخزف الصيني، عبر العصور الصينية المختلفة كما شاهدوا فيلما تسجيليا يحكي تاريخ صناعة الخزف في الصين، مضيفًا أنه ومعه الوفد المصري كانوا مبهورين بقدرة الحزب ودوائر المختلفة على الاهتمام بتلك التفاصيل الدقيقة وتحويل أبسط الأشياء لنقاط قوة وجمال.

وأضاف أن نجاح الحزب في القضاء على الفقر، هي تجربة ملهمة لكل دول العالم التي تعاني من أزمات اقتصادية وليس فقط ملهمة لدول الحزام والطريق، موضحًا أنه في مدينة جينغ ده تشن والتي يصل تعدادها السكاني لمليون وستمائة ألف نسمة، نجح الحزب خلال 4 سنوات في انتشال 30% منهم من الفقر، من خلال 8 محاور رئيسية أهمها الاقتصادي والبيئي والتنموي والتعليمي والصحي، مضيفًا أنه هذه التجربة الملهمة لم يكن لينجح الحزب في تطبيقها إن لم يكن لدية إدارة قوية قادرة على الوصول إلى كل فقير علي هذه الأرض.

وأشار إلى أن “الحزب الحاكم بذل جهودا مضنية للقضاء على الفقر مع حلول العام القادم من خلال خطط محكمة، من رصد لأعداد الفقراء وإعداد السجلات الخاصة بهم، ثم مكافحة الفقر فيما يتعلق بملف التعليم من خلال تكفل الدولة بنفقات التعليم من مرحلة ما قبل المدرسة إلى الماجستير، ثم توفير الرعاية الصحية وإصلاح منظومة التكافل الاجتماعي لضمان وصول الدعم لمستحقيه، فضلا عن الاهتمام بتجديد وتطوير المساكن القائمة، لتحسين مستوى معيشة قاطنيها، وأنه على مستوى التشغيل وفرت الدولة فرص عمل للعاطلين ومنحت المزارعين قطع من الأرض الزراعية كي تضمن لهم دخل ثابت لضمان عدم عودتهم مرة أخرى لشريحة الفقر.

وختم حديثه بأن جلسة الإعلان والتعريف حول الدورة الكاملة الرابعة للجنة المركزية التاسعة عشر للحزب الشيوعي الصيني، قدمت للعالم تجربة فريدة عن حوكمة الدولة وزيادة قدرتها وصياغة مفاهيم ومعايير جديدة للانفتاح.

وبعيدًا عن كلام إبراهيم موسى يمكن القول باختصار، إن تجربة الحزب الشيوعي الصيني استثمرت في الإنسان كمبدأ أساسي في التطوير خلال تسلسل زمني ومراحل نهوض تمت على فترتين الأولى ما بعد الثورة، والثانية ما بعد الإصلاح والانفتاح، استثمرت فيه تارة بالتعليم وتطوير المهارات وفتح الباب أمام الابتكار، وتارة أخرى بانتشال الغير قادرين من الفقر ومساعدتهم على إيجاد حياة كريمة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.