موقع متخصص بالشؤون الصينية

تقرير مفصّل عن تاريخ الاقليم الغربي أو منطقة شينجيانغ

0

 

 

موقع الصين بعيون عربية ـ
إعداد: محمد زريق*:

“يعتبر هذا التقرير ثمرة لأبحاث مركّزة على التاريخ الصيني بشكل عام وتاريخ منطقة شينجيانغ على وجه الخصوص. خَلُصَ هذا التقرير المبني على الوقائع والحقائق إلى أنَّ شينجيانغ هي أرض صينية ولكن القوميات التي سكنتها لم تكن واحدة، فقد تعاقب على سكن هذه المنطقة العديد من القوميات منها من ظلَّ إلى يومنا هذا ومنها من رحل إلى بلادٍ أخرى. إن ميزة التعدد القومي جعلت الأسر التي حكمت الصين منذ القدم تمنح هذه المنطقة خاصية الحكم الذاتي ولكن التبعية والولاء يكون للأسرة الصينية الحاكمة. عانت هذه المنطقة الكثير من المشاكل والحروب والغزوات، ازدادت أهمية منطقة شينجيانغ بعد اكتشاف طريق الحرير، وأصبحت أنظار المجموعات القبلية والدول موجهة على كيفية الوصول إلى طريق الحرير والتحكم به. انتهج سكان منطقة شينجيانغ الكثير من الأديان، مثل الزرادشتية والمانية والبوذية والاسلامية، وكانت منطقة شينجيانغ مركزاً مهما لنشر الديانة البوذية، وحالياً تطغى الديانة الاسلامية على المجتمع الشنجاني”.

* شكر خاص لموقع “تلك الكتب” الصيني الذي أسهم في تسهيل وصولي إلى المعلومات؛ كما ويعتمد هذا التقرير على الكثير من المراجع الصينية وتشكل كتابات تيان واي تشيانغ ركيزة أساسية في المصادر المسندة.

(من المحرر: الصور الموجودة في الدراسة من أماكن متفرقة في إقليم شينجيانغ بعدسة مدير موقع الصين بعيون عربية محمود ريا خلال زيارتيه إلى الإقليم عام 2017 و2019)

شهدت منصات التواصل الاجتماعي هجمة الكترونية ضد سياسة الحكومة الصينية، والتي تمَّ اعتبارها بنظر بعض الناشطين أنها سياسة قمعية وغير عادلة، وقد رافقت هذه الهجمة حملة دعائية إعلامية تشتمل على الاعلام المرئي والمسموع والمطبوع، مصدرها الأساسي الغرب وبعض وسائل إعلام الدول العربية؛ هدف هذه الحملة الأساسي تشويه صورة الصين وخلق جو من الكره العالمي القائم على تجييش المشاعر الدينية ضد الدولة الصينية. إنَّ شعب الاويغور هو جزء من النهضة الصينية العظيمة، وتاريخ إقليم شينجيانغ لا يمكن فصله عن تاريخ الدولة الصينية. هذا التقرير المفصّل يوضّح الكثير من المغالطات ويكشف خفايا تاريخية مهمة عن شعب الايغور وأرض شينجيانغ الصينية.

خريطة تاريخية لبعض مناطق إقليم شينجيانغ ـ متحف أورومتشي حاضرة الإقليم

 

تقع منطقة شينجيانغ في شمال غرب الصين وتبلغ مساحتها 1 مليون و664 ألف و900 كيلو متر مربع، أي ما يعادل سدس مساحة الدولة الصينية. لمنطقة شينجيانغ حدود برّية مع كل من منغوليا وروسيا وقازاقستان وقرغيزستان وطاجيكستان وأفغانستان وباكستان والهند. تعتبر هذه المنطقة بوابة الصين إلى العالم عبر طريق الحرير في الماضي ومبادرة الحزام والطريق في الحاضر. يرجح علماء الآثار أن منطقة شينجيانغ تعود إلى ما قبل التاريخ بسبب التراث الأثري في تلك المنطقة، وقد أصبحت شينجيانغ جزء من الدولة الصينية القديمة في العام 206 ق.م. في عهد أسرة هان الحاكمة للصين آنذاك.

جغرافيا منطقة شينجيانغ المميزة ما بين الأور – آسيا تجعل منها نقطة استراتيجية على الخريطة السياسية. يفضل علماء الجغرافيا تعريف الطبيعة التضاريسية لهذه المنطقة ب “ثلاثة جبال تحتضن حوضين”، فقد تكوّن حوضان مغلقان في شمال وجنوب المنطقة، حوض تاريم وحوض جونغقار، نتيجة للنتوءات الشديدة التي حدثت منذ اثني مليون عام لجبال تيان شان وكونلون وجبال ألتاي. عند الطرف الغربي للجبال الثلاثة تقع جبال بامير، لتربط ما بين سلاسل جبال تيان شان وكونلون وألتاي، بحيث أنها تشكل لوحة فنية طبيعية ساحرة. تحتوي منطقة شينجيانغ على الواحات والسهول والمروح وسط طبيعة صحراوية قاحلة، الأمر الذي جعلها منطقة مسكونة وواحدة من مناطق مهد الحضارة البشرية.

من الآثار التاريخية في إقليم شينجيانغ ـ متحف أورومتشي حاضرة الإقليم

 

اعتمدت هذه المنطقىة في اقتصادها على الزراعة وتربية المواشي منذ القدم بسبب الطبيعة المناخية. وقد لعبت الجغرافيا دوراً مهما في ربط شينجيانغ بالشرق، بحيث أن هذه المنطقة كانت صلة الوصل بين شرق آسيا وغربها، بالتحديد عقب حكم سلالتي تشين وهان، حيث تحولت هذه المنطقة إلى جزء من الصين الموحّدة متعددة القوميات. إن قومية الايغور هي واحدة من القوميات المتعددة التي سكنت هذه المنطقة منذ القدم، وقد أسهمت كل قومية بشيء جميل، جعل من هذه المنطقة تعيش حالة فريدة من الانسجام والتلاقي المبني على تاريخ ثقافي وإنساني عريق.

يرجّح علماء الآثار والجغرافيا أنَّ تاريخ هذه المنطقة يعود إلى العصر الحجري الذي يعتبر رمزاً للمجتمع البدائي، أي إلى حوالي مليونين إلى ثلاثة ملايين عام، وصولا إلى الألفية الثالثة قبل الميلاد. التاريخ المنسوب هذا مقرون بالآثار المكتشفة، من هذه الآثار أطلال الجمل المنحوت من حجر هوكستولجأي ببلدية هوبوكسار، وقد أكّد كل من الأثريين الصينيين والأجانب أن هذه المنطقة هي أقدم موقع شهد نشاطاً بشرياً في شينجيانغ حتى وقتنا هذا. إضافة إلى الجمل المنحوت فقد اكتشف الأثريون فأساً ورقيقة محدبة من الحجر في منحدر غرب خندق مدينة دجياوخه بمدينة توربان على عمق خمسة عشر متراً. من خلال الاكتشافات الأثرية العديدة كوّن الباحثون فكرة عن الحياة التي كانت موجودة في تلك المنطقة والتي اشتملت على الصيد وحصاد النباتات وغيرها من الأعمال التقليدية. من أبرز سمات العصر الحجري الحديث لتلك المنطقة هي فعل الهجوم، وذلك من خلال اكتشاف أدوات مثل نصل السهم الحجري والسكين الحجري وغيرها من الأدوات.

الحدث الجديد كان ابتكار صناعة الأدوات الفخارية. عام 2000 ق.م. دخلت منطقة شينجيانغ حقبة البرونز، فاشتهر في تلك الفترة صهر البرونز واستخدامه في الصناعات مثل صناعة الأسلحة، كما أنه وفي تلك الفترة اشتهرت المنطقة بصناعة المنتجات الزراعية والحيوانية وصناعة النسيج والوبر والجلود وقد لاقت رواجا هائلا. لم تكن الحياة الاقتصادية واحدة في تلك المنطقة بل متعددة باختلاف الحضارات والأماكن الجغرافية، على سبيل المثال اعتمدت حضارة لين ياه على الاقتصاد الزراعي، بينما اعتمدت حضارة شياو خه على الزراعة والرعي معأ، أما حضارة أندرونوفو فاعتمدت على تربية الحيوانات الداجنة.

 

مدبنة يار التاريخية قرب توربان

صدرت الكثير من التصريحات التي تعتبر أنَّ شعب شينجيانغ هو تركي الأصل، إلا أنَّ العلم قد أعطى نتيجة مناقضة لهذا الرأي. ففي عام 1980 اكتشف علماء الآثار مومياء لفتاة في المقبرة القديمة بنجد ياردان غرب منطقة لوبنور، بعد أخذ عينات من الأقمشة والفرو الذي كان يغطي تلك المومياء، وبقياس الكربون، كانت النتيجة بأنها تعود إلى ما يقرب 3880 عاماً وبالتحديد للعصر البرونزي. كما قام الباحثون بالتحليلات على رفات بشرية تمَّ اكتشافها في مقابر قديمة لمنطقة شينجيانغ وكانت النتيجة أنَّ الأصول العرقية متعددة، إلأ أنَّ أهمها ذوو البشرة البيضاء (السلالة الأوروبية) وذوو البشرة الصفراء (السلالة المغولية)، ومنهم من مختلطي النسب.

توجد الكثير من السجلات المرتبطة بجغرافيا شينجيانغ في عهد أسرة تشين، مثل: شانغشو وسجلات البامبو وكلاسيكيات الجبال والبحار وأغاني تشو. تشير الروايات التاريخية إلى العلاقة الجيدة التي ربطت حكام الصين بسكان منطقة شينجيانغ، اشتهر الملك الصيني تشو مو بكثرة ترحاله، فقد عبر مناطق طريق الحرير وتعرف على الناس عن قرب. وقد أثبت علماء الآثار أن طريقة تصنيع بعض المواد الحرفية في منطقة شينجيانغ لها ارتباط وثيق بالثقافة الصينية، على سبيل المثال جرّة المياه ذات الأذنين والأواني الفخارية ذات الخطوط الغائرة التي تعد من المنتجات التقليدية في بلدة ما تشانغ والتي تنتمي لحضارة ما دجيا ياو بممر خهشي بمقاطعة جانسو. يمكن القول أنه منذ حوالي 4000 عام استمدت حضارتا ما دجيا ياو بما تشانغ وسي با هاتان جذورهما من منطقة هامي، الواقعة شرقي شينجيانغ.

قبل حكم أسرة هان عُرفت منطقة شينجيانغ باسم “الاقليم الغربي”، في تلك الفترة كان الوضع المجتمعي سيء ما أدى إلى التأثير على الوضع الاقتصادي في تلك المنطقة وعرقلة نموها. ورد اسم الاقليم الغربي في كتاب “السجلات التاريخية” خلال عصر أسرة هان، يشير الكتاب إلى الجزء الغربي من القطر الصيني المعروف حالياً باسم شينجيانغ. أطلق اسم شينجيانغ بدلا من الاقليم الغربي خلال حكم أسرة تشينغ، حيث لا تزال هذه التسمية تستخدم منذ حوالي ألفي عام. ورد في تقرير قدمه مبعوث أسرة هان الغربية تشان تشيان إلى أنَّ “الاقليم الغربي” ينقسم إلى “ستة وثلاثين مملكة”، أما خلال حكم الامبراطور يوان دي “امبراطور أسرة الهان”، قد انقسم “الاقليم الغربي” إلى أكثر من خمسين مملكة وقد نالت ألقاب النبالة في تلك الفترة، هذه الوقائع تشير إلى أنَّ إقليم شينجيانغ هو جزء تاريخي من الصين القديمة وليس مستحدثاً.

من الآثار التاريخية في إقليم شينجيانغ ـ متحف أورومتشي حاضرة الإقليم

 

انقسم سكان “الاقليم الغربي” إلى قسمين؛ منهم من عُرف بالبدو حيث أنهم لم يستقروا في مكان واحد وكان اعتمادهم الاساسي على الانتاج الزراعي، والقسم الثاني هي الشعوب المتمدنة والتي كانت تقطن بمحاذاة طريق الحرير وقد شهدت شعوب هذه المناطق نهضة ثقافية واقتصادية. سكنت عشائر وقوميات مختلفة “الاقليم الغربي” خلال حكم أسرة الهان للصين، أشهرها: قومية الساي وشييونغنو ويويه دجه وووه سون وتشيانغ. السكان في محافظتي يركند وقارغليق على سبيل المثال تربطهم قرابة دم مع قومية تشيانغ ويتمتعون باسهامات حضارية مشتركة، هذا الامر ينطبق على الكثير من المناطق الأخرى في شينجيانغ. في “سجلات تاريخية: السير الذاتية المختارة لدا يوان”، يمكن ملاحظة أن شعوب الهان قد سكنوا في “الاقليم الغربي” منذ القدم. التبادلات الاقتصادية بين سكان الهضبة الوسطى والاقليم الغربي قد أدت إلى قيام أسرة الهان بتوحيد إدارة منطقة شينجيانغ في عصر تشين.

تُعد أغنية البجعة الصفراء التي تمَّ تأليفها وإهداؤها لأميرة أسرة الهان الغربية، الأميرة شي جيون، تحفة فنية فيها الكثير من الجمال والمعاني النبيلة التي تمثل حياة شعب الووه سون، وهي من إحدى قبائل القازاق الصينية التي سكنت شمال غرب الصين منذ القدم. القصيدة بحق الاميرة شي جيون هي نوع من أنواع الاحترام والتعايش السلمي.

خلال عهد أسرة الهان كان التوحيد أمرا واقعاً، من هان الغربية وكافة الأراضي الواقعة بشمال وجنوب جبل تيان شان تحت حكم إدارة مركزية موحّدة. قامت حكومة الهان المركزية بإنشاء الحكومة الموحّدة للإقليم الغربي، كما قامت بتنصيب تشنغ جي ليكون أول من يتولى إدارة هذه الحكومة الموحّدة للمنطقة المعروفة باسم شينجيانغ في أيامنا الحالية، وقد شغل منصب حاكم الإدارة الموحّدة للإقليم الغربي، خلف تشانغ جي، ثمانية عشر حاكماً خلال عهد أسرة الهان الغربية. وقد تم اكتشاف الختم الخاص بلي تشانغ آخر حكام الادارة الموحدة للاقليم الغربي في ثلاثينات القرن العشرين في كوجار. يُعَد تـأسيس أسرة الهان لإدارة موحّدة للإقليم الغربي وإصدار أمر بتعيين حاكم للاقليم الغربي دلالة على تحول الإقليم الغربي “شينجيانغ” لجزء من الدولة الصينية الموحّدة والمتعددة القوميات، هذا الامر يدل على أنّ شعب منطقة شينجيانغ لديه انتماء للدولة الصينية القديمة منذ سنوات غابرة. وطّدت الإجراءات السياسية والاقتصادية والعسكرية، التي قامت بها الإدارة الموحّدة للإقليم الغربي، العلاقة بين الإقليم الغربي والسهول الوسطى، كما مثلت قوة لجذب كافة العشائر والقوميات الحدودية لتنضم إلى الحكومة المركزية، الأمر الذي دفع عجلة التغيير في الاقليم الغربي على المستوى السياسي والاقتصادي والمجتمعي.

يتداول الصينيون عبارة “مبادلة القلم بالسيف”، ولهذه العبارة قصة تاريخية. ففي عهد أسرة الهان ترك بان تشاو عمله بالأدب والشعر ليلتحق بالعمل العسكري دفاعاً عن وطنه الأم، ومن المعروف أنَّ بان تشاو هو من الاقليم الغربي وقد كان له تاريخ عريق في السياسة والفكر، كما أنّ مؤلف كتاب “أخبار الهان” بان جوه هو الأخ الأكبر لبان تشاو. بعدما استقرت الاوضاع تم تعيين بان تشاو حاكم الإدارة الموحّدة للإقليم الغربي، وفيما بعد لُقِب “نبيل دينغ يوان”. خلال فترة حكمه وصل مبعوثوه إلى الخليج الفارسي وهذا الأمر كان ممهداً لتطوير الاتصالات بين الشرق والغرب.

يمر جزء من طريق الحرير عبر إقليم شينجيانغ، وقد وردت عبارة “شعب السرس” في بعض الوثائق الصينية القديمة والسرس تعني الحرير بالصينية، المقصود بشعب السرس هم سكان الإقليم الجنوبي أو منطقة شينجيانغ، وهذا التعبير مستخدم في بعض الكتابات الأجنبية القديمة. مما يدل على أنَّ شعب شينجيانغ كان ولا يزال عاملاً مهماً في طريق الحرير الصيني. كما يظهر علاقات التبادل والاتصال الطويلة الأمد بين كافة أراضي شينجيانغ ومنطقة السهول الوسطى. توحيد أسرة الهان للإقليم الغربي، بالإضافة إلى طريق الحرير الذي ينطلق من منطقة تشانغ آن أو شي آن حالياً، هي أهم الاسباب لنهضة وتطور إقليم شينجيانغ. في كتاب “كتاب الهان: أخبار الاقليم الغربي”، ورد اسم الاقليم الغربي أو شينجيانغ بشكل واضح والعلاقة القديمة بطريق الحرير، “بعد عبور بوابة اليشم ويانغ جوان، هناك طريقان للاقليم الغربي: الطريق الجنوبي بداية من شان شان بمجازاة الجبل الجنوبي، ثم شمالا مرورا بممر خه شي حتى ياركند، كما يجتاز الطريق الجنوبي هضبة البامير، وصولا إلى يويه دجه وآنشي؛ بينما يبدأ الطريق الشمالي من جوشي نحو وانغ تينغ، بمحاذاة الجبل الشمالي، ثم يمر بممر خه شي، وصولا إلى قاشغار، ويمر الطريق الشمالي بهضبة البامير، ثم يتجه صوب دا يوان (الفارغانا) وكانغ دجوو (سمرقند حاليا) ويان تساي (منطقة بحر الآرال)”. كان لطريق الحرير الأثر الكبير على تزايد التواصل عن طريق التجارة بين شعوب الإقليم الغربي والقوميات الأخرى في الصين، وقد انتشرت محاصيل إقليم شينجيانغ من كتاّن وفول ورمان وثوم وعنب وبرسيم في كافة أراضي الدولة، وقد أشارت مختلف الأبحاث إلى أن المنتجات التي حملت رمز “خوه” خلال حقبة الهان يعود مصدرها إلى أراضي الاقليم الغربي.

من الآثار التاريخية في إقليم شينجيانغ ـ متحف أورومتشي حاضرة الإقليم

 

من الجدير بالذكر أنه خلال حكم أسرة الهان للصين قد سُكّت العملة بحيث تحمل من جهة الرموز الصينية الخاصة ومن جهة أخرى تحمل لغة الوبن وتسمى أيضا بلغة الخاروستي وهي مزيج بين اللغة العربية واللغة الفارسية، والتي كان يستخدمها سكان تلك المناطق. وقد تأثر الاقليم الغربي في تلك الفترة بالزردشتية التي كانت سائدة في بلاد الفرس إلى حد اتباعها كدين لهم.

تشتهر فترة حكم أسرة تانغ بالازدهار الحضاري والثقافي في الإقليم الغربي بسبب حالات الاندماج القبلي ووحدة الاراضي بعد حالة الانقسام التي عاشتها البلاد لسنوات. وقد عملت كافة الأسر التي تعاقبت على حكم الصين على تعزيز طريق الحرير الذي يعتبر ممر الصين الاقتصادي والثقافي نحو العالم، بالإضافة إلى إبقاء العلاقات جيدة مع الإقليم الغربي الذي له دور هام في ديمومة هذا الطريق. عثر علماء الآثار على وثائق رسمية في مدينة شينجيانغ وقد حمل البعض منها وسما يؤكد انتماؤها لفترة حكم أباطرة دجين، مما يعكس أن لغة الهان المكتوبة (اللغة الصينية) كانت هي اللغة الرسمية لتلك المنطقة خلال تلك الفترة.

بعد سقوط أسرة الهان الشرقية تعاقب على حكم الاقليم الغربي الكثير من القوميات البدوية في شمال الصين مثل روي ران وجو تشه ودا والتوركيك وغيرها. وقد أدى هذا التغير في الحكم إلى حالة من الفوضى والتشتت السياسي والمجتمعي. في عهد الخان أه نا في عام 525، ثارت قومية التوركيك، ونتيجة لهزيمة روي ران أمام التوركيك، صار جزء كبير من دولة روي ران تحت حكم التوركيك. أطلق سكان المماليك الشمالية على جزء من العشائر الرعوية التي سكنت المروج الواقعة بمنطقة موه بأي اسم جو تشه، بسبب استخدامهم للعربات الحربية الكبيرة التي تجرها الخيول، وبسبب أعدادهم الكبيرة، (جو تعني عالٍ أو كبير باللغة الصينية وتشه تعني عربة). ووفقا للأبحاث فإن شعب جو تشه هم أحفاد بأي دي. تضم جو تشه ست عشائر كبيرة، تنقسم إلى عشيرة دي، وعشيرة تشوغورسوا وعشيرة تشابيش وعشيرة تشيرغيزار وعشيرة الويغورلار وعشيرة إلتقيين.

وفقا للأبحاث التاريخية، فإن الويغولار هم أسلاف الويغور الذين ظهروا في عهد أسرتي سوي وتانغ. بسبب الحكم الظالم خلال مملكة روي ران، نزح ما يتجاوز مائة ألف شخص من عشيرة جو تشه في العام 487 بقيادة آفوتشيلوه وابن عمه تشيونغ تشي، نحو منطقة أورومتشي، حيث أسسوا هناك مملكة جو تشه، وامتد نفوذهم بعد هزيمة قوات الخان حاكم روي ران إلى ياه نجي وبيجان وكوجار وكافة أراضي خوتان، وقد نصّبوا أنفسهم سادة على القسم الشرقي من الاقليم الغربي، إلا أن هذه الدولة لم تدم طويلا فانهارت في العام 541.

التوركيك هم شعب زاول مهنة الرعي بأعالي نهر يا نيسي (روسيا)، تغيرت أحوالهم بعد أن ارتحلوا إلى منطقة جبال ألتاي في القرن الخامس. يعتبر الخان موه قان صاحب إنجاز توحيد أراضي منطقة مروج موه بأي، وبدأت توسعات مملكة التوركيك خارجيا في عهده. فقد قضى على مملكة روي ران واتجه شرقا ليقضي على مملكة تشيدان ثم اتجه شمالا للقضاء على مملكة دياه جوو، وقد طلب من أخيه الذهاب غربا والاتحاد مع الفرس من أجل القضاء على مملكة دا المسيطرة على الاقليم الغربي وآسيا الوسطى.

تحولت مملكة التوركيك إلى واحدة من من أقوى الممالك التي أسستها القوميات الرعوية الشمالية، وامتد نفوذها ما بين الاقليم الغربي (شينجيانغ) وآسيا الوسطى. بعد حكم التوركيك للإقليم الغربي توحدت القوميات المختلفة مثل سوغديانا والتياه له وشي وتشيدان والقرغيز. خلال الفترة ما بين القرن الثالث والخامس بدأت جميع القوميات بالانصهار، حتى تمَّ القضاء على حالة التفرقة والتشتت.

اكتشف الأثريون العديد من الوثائق المكتوبة بلغة الهان في منطقة التوربان وتعود معظمها إلى عصر أسرة تشو، بعض الوثائق عبارة عن عقود استئجار أراضٍ وقوائم مفصلة بالأشياء التي يتم دفنها مع المتوفي، ومجموعات من الكتب الكونفوشيوسية المقدّسة وغيرها من الوثائق. تدل هذه الوثائق على استخدام ورواج لغة الهان في منطقة قاوتشانغ، بالإضافة إلى اتباع التعاليم الكونفوشيوسية. كما أنّ الأثريين قد اكتشفوا مجموعة كبيرة من الوثائق بلغات مختلفة، وهذا يعود إلى العمل التجاري والقبائل البدوية التي كانت تتنقل بشكل متكرر، وهذا دليل على تعدد أصول القوميات التي تقطن منطقة الإقليم الغربي. خلال فترة حكم واي وجين، اتبع الشعب العديد من الديانات مثل البوذية والزرداشتية والشامانية، إلا أن الديانة البوذية كانت الأكثر انتشارا. كان للتداخل الثقافي والمجتمعي بين شعوب الصين المختلفة بسبب التجارة وصلات القربة أثراً كبيراً على عادات وتقاليد المجتمع الصيني، على سبيل المثال الرقصات التي تعود إلى منطقة شينجيانغ موجودة في كافة أنحاء الصين ولا تقتصر فقط على شعوب الاقليم الغربي، فهي جزء لا يتجزأ من العروض الشعبية التي يتم عرضها خلال احتفالات قومية الهان.

مدبنة يار التاريخية قرب توربان

 

يعتبر عهد حكم أسرة تانغ من أفضل العهود التي مرّت على تاريخ الدولة الصينية، وقد ساهمت قوميات منطقة شينجانغ في الارتقاء بأسرة تانغ، لتحتل مركز الصدارة على مستوى العالم في ذلك الوقت. أسست أسرة تانغ مدينة شي أي تشو، مما فتح الباب على الاقليم الغربي، حيث ظهرت قاوتشانغ وياه نجي وكوجار وشوله وغيرها كمراكز لمتابعة شؤون الحكم. في عام 640 بدأت مرحلة توحيد الإقليم الغربي على يد أسرة تانغ، بعد أن اجتازت الجيوش الصحراء لتصل إلى منطقة حوض التوربان.

كانت علاقة أسرة تانغ بمملكة توركيك في الاقليم الغربي جيدة، وكان الولاء لأسرة تانغ، إلا أنه بعد وفاة الخان تونغ يابجخوو تولى يوقوق شاد منصب الخان، وقد تغيرت سياسة التوركيك إلى العداء مع أسرة تانغ وعدم الرضى بتوحيد الاقليم الغربي، وقد تواطأ الخان حاكم توركيك الغربية مع مملكة قاراهوجا للسيطرة على طريق الحرير وقطع الطريق على أسرة تانغ، مما أدى إلى وقوع معركة عام 640 وفرض أسرة تانغ حكمها على المنطقة، إلا أن حاكم توركيك الغربية لم يرضَ بالهزيمة وقد وقعت معركة أخرى عام 648 كانت نتيجتها الاستيلاء على الاراضي العسكرية والسياسية المهمة التابعة لحكم توركيك الغربية. وقد نجحت أسرة تانغ في إرساء قواعد وأسس توحيد الحكم والإدارة في الاقليم الغربي. وبعد تولي الامبراطور قاو تسونغ حكم أسرة تانغ، انضمت كافة أراضي توركيك الغربية إلى حكم أسرة تانغ عام 657.

عام 745 قام قائد خاقانية الويغور قوه لي فأي لوه بقتل الخان بأي مأي والذي كان يعتبر آخر حكام التوركيك، وبذلك أصبح شعب التوركيك تحت حكم خاقانية الويغور. في تلك الفترة تفرّق شعب التوركيك في عدة اتجاهات، منهم من رحل إلى منغوليا الداخلية، بينما انتقل جزء منهم إلى آسيا الوسطى وغرب آسيا، حيت أسس أحفادهم الامبراطوية العثمانية ومملكة غزنة في أفغانستان ومملكة السلجوقيان، وقسم آخر منهم ظلّ في الإقليم الغربي في منطقة لينغ ووه دي أو نينغشيا، هكذا كانت النهاية السياسية والعكسرية للتوركيك في الصين.

شهدت فترة حكم أسرة تانغ الاستقرار المجتمعي وحالة التجانس بين جميع القوميات، وقد اتُبعت سياسة خاصة لتطوير الانتاج الزراعي والحيواني والصناعي خصوصاً في منطقة الاقليم الغربي، ما أدى إلى ازدهار اقتصادي كبير. خلال تلك الفترة انقسم طريق الحرير إلى طريقين: شمالي وجنوبي، وقد ساهمت السياسة التجارية الجديدة في تطوير النشاط التجاري بين الإقليم الغربي وكافة المناطق المتاخمة له. كل هذا التطور كان مصحوباً أيضا بنهضة ثقافية واجتماعية وفنية، بسبب حالة التواصل القومي بين القوميات المختلفة داخل الصين، والتواصل مع شعوب أخرى خارج الحدود الصينية. سياسة أسرة تانغ لعبت دوراً مهما في تماسك القوميات الصينية  وكان لها دور في التطور التاريخي للبلد.

شهدت نهاية حكم أسرة تانغ نهضة لأهل التوربان (أسلاف قومية تسانغ)، وبما أنّ الجو كان جو هدوء وسلام واستقرار فقد اتخذت الفرصة للدخول في صراع عسكري من أجل السيطرة على الإقليم الغربي. عندما تولى ملك التوربان “تشيليسولونغلاتسان” الحكم، امتد نفوذه ليصل إلى وسط آسيا، وقد دخل في صراع مع العرب المسلمين متخذاً من البوذية ذريعة له، هذا الامر عرقل التوسع العربي نحو الشرق.

تعتبر النورخون نويغور واحدة من القوميات الصينية القديمة، والتي تعتبر سلف قومية الويغور التي تسكن شينجيانغ في الوقت الراهن. أطلق الويغور على أنفسهم “النورخون نويغور المؤلفة من تسع عشائر” و”الأوغوز المكوّنة من تسع عشائر متحدة”.

آثار تاريخية في منطقة شنتشن في الصحراء قرب توربان

 

بعد أفول نجم مملكة توركيك عام 744، تم تأسيس مملكة النورخون نويغور وعاصمتها يا تشانغ، وكان هذا الحدث برضى أسرة تانغ. إلا أنه بعد فترة انقسمت مملكة النورخون وتفرقت عشائرها وتشتت، وقد انتقل جزء كبير منهم إلى سهول الصين الوسطى وجزء آخر منهم امتزج مع سكان الهان، وقسم آخر انتقل غرباً.

كانت علاقة شعوب النورخون نويغور (الايغور جزء من هذه الشعوب) علاقة جيدة مع الأسر الحاكمة خلال عهد العصور الخمسة، بالاضافة الى حقبة مملكتي لياو (907-1125) وشي شيا (1038-1227) حيث كانت العلاقة وطيدة معهم. هناك جزء آخر منهم ذاب واندمج مع عشائر منطقة حوض التاريم، وعاشوا مرحلة حكم المغول للإقليم الغربي، ومرّوا بحالة انقسام ثم اندماج من جديد، ثمّ شكّلوا في العصر الحديث  القومية المعروفة حاليا بإسم قومية الويغور.

يمثّل وصول القوميات الحدودية إلى منطقة السهول الوسطى صفحة مهمة في تعزيز الاندماج بين القوميات، كما مثّل انتقال العديد من القوميات إلى الإقليم الغربي مرحلة مهمة من الاندماج الثقافي والاقتصادي. آمن شعب النورخون نويغور في بادئ الأمر بالديانة المانية والبوذية والمسيحية وغيرها من الأديان، وخلال حكم أسرة يوان، سميت لغة الألنورخون نويغور الكتابية باسم “اللغة الويغورية” و”لغة بأي تينغ” و”لغة الهوي هوي”. حلت لغة النورخون نويغور محل لغة الهان ولغة التوركيك وصارت اللغة الرسمية المتداولة حتى القرن 15 أو 16. تعتبر فترة حكم النورخون نويغور من أفضل فترات الحكم التي شهدتها تلك المنطقة، فقد ركّزوا على الجانب الحضاري والثقافي والفني، كما أنهم عملوا على تقوية العسكر والاقتصاد.

أسس الطاجيك مملكة السامان في آسيا الوسطى وكانت الديانة لهذه المملكة هي الإسلامية، ومن هناك انتشر الاسلام بشكل ممنهج، ويرجع دخول الاسلام إلى منطقة شينجيانغ إلى التبادل الثقافي بين مملكة السامان والمملكة القرخانية عبر المبعوث ناصر بن منصور، أحد أفراد العائلة الملكية في مملكة السامان. ويعتبر مسجد أرتوكس أول مسجد إسلامي يبنى في شينجيانغ. بنهاية القرن العاشر وبداية القرن الحادي عشر تمَّ إعلان الدين الاسلامي ديناً رسمياً، ونجح ستوق بغرا خان في إسقاط مملكة خوتان البوذية المتاخمة لمملكته خلال حرب نودي فيها إلى الجهاد المقدس، وقد وقعت كافة المناطق بشمال وجنوب جبل تيان شان تحت حكم الدين الاسلامي. تعتبر قومية النورخون نويغور من أول القبائل التي مالت إلى اعتناق الاسلام، علماً أنها كانت تعتنق البوذية والمانية في السابق، وأسهمت في نشر الديانة البوذية في الإقليم الغربي.

عام 1225 عيّن جنكيز خان أحد الإقطاعيين على منطقة الويغور، التي أصبحت تابعة لإمبراطورية منغوليا، وقد وضعت دول الخاقانات المغولية العديد من القوانين التي تنظم الزراعة والاستقرار في المنطقة. وقد وزّع جنكيز خان الأراضي بين أبنائه. وقد أوضحت الوثائق من عهد مملكة يوان، أنَّ “ويغور” مملكة يوان، تشير إلى المواطنين الذين اتخذوا من منطقتي خوو تشو (توربان)، وبشباليك (المعروفة حالياً بجيمسار)، مركزاً للسكن والحياة، ويطلق عليها عادة “منطقة الويغور”. انتشر الدين الاسلامي بكثرة في الاقليم الغربي إبان حكم توغلوغ تيمور خان سليل “القبيلة الذهبية” لجنكيز خان عام 1347، وقد كان توغلوغ خان أول إمبراطور منغولي يعتنق الدين الاسلامي وقد فرض الدين الاسلامي على جميع القبائل التي كانت تحت حكمه، ويقدر عددها مائة وستين ألف قبيلة.

مدينة كاشغر التاريخية

 

دخلت شينجيانغ في العصر الحديث إبان تأسيس مملكة تشينغ (1644-1911) وهي ثاني مملكة إقطاعية موحّدة على مستوى الدولة. عملت هذه المملكة على تعزيز التواصل الحضاري بين جميع القبائل، وركزت على تعميق التبادلات الاقتصادية والثقافية بين كل القوميات، وسعت إلى المزيد من التوحيد في التنظيم الإداري بين شينجيانغ والمناطق الداخلية. عام 1759 تمّ توحيد حكومة شينجيانغ بين مناطق شمال وجنوب جبال تيان شان وبين جميع قبائل شينجيانغ، هكذا تطورت العلاقات التاريخية التي ربطت شينجيانغ بالسهول الوسطى وحسّنت الوضع السياسي والاقتصادي والثقافي. بعد تأسيس شينجيانغ كمقاطعة عام 1884، اتفقت البنية التنظيمية في شينجيانغ مع البنية الموجودة في داخل الصين، واتبعت تنفيذ نظام المقاطعات والأقاليم.

انهكت حرب الأفيون منطقة شينجيانغ في أواسط القرن التاسع عشر، وكانت هذه المنطقة مطمع روسيا القيصرية. دافع أهل شينجيانغ من كل القوميات ضد الأخطار الداخلية والخارجية. حاولت روسيا القيصرية التحكم بشينجيانغ بطريقة غير مباشرة، عبر فتح قنصلية لها وجمع المعلومات عن المنطقة وحماية جميع التجّار الروس في المنطقة قانونياً. وارتكز الطمع الروسي على مناجم الذهب، بحيث تمّت محاولات للسيطرة على المناجم بالقوة.

في تشرين الأول من العام العاشر من عهد جوانغ شو (1884)، أصدرت حكومة مملكة تشينغ مرسوماً إمبراطورياً، بتأسيس مقاطعة شينجيانغ، وهكذا تأسست رسميا مقاطعة شينجيانغ. وفي عريضة قدمها زوو زونغ تانغ، الذي قاد جيش مملكة تشينغ، إلى الامبراطور نصّت على ما يلي: “إنّ أرض الوطن المغتصبة من أهلها، تعود لهم من جديد”، بمعنى أن شينجيانغ في الأصل هي أرض صينية، وبعد أن احتلت على يد المعتدين الأجانب، فهي الان تعود من جديد، ومن هنا يأتي اسم “شينجيانغ” (الحدود الجديدة)، وتمّ وقف استخدام مسمى “المناطق الغربية – الاقليم الغربي”. هكذا تأسست الحدود الشمالية الغربية للصين في العصر الحديث.

 

*   مرشح للدكتوراه في Central China Normal University وعضو اتحاد الكتّاب والصحفيين أصدقاء وحلفاء الصين، مهتم بسياسة الصين الخارجية تجاه المنطقة العربية مع تركيز خاص على مبادرة الحزام والطريق، لديه العديد من الكتابات والمنشورات.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.