موقع متخصص بالشؤون الصينية

النموذج الصيني: من خلف السور العظيم إلى العالمية

0

موقع الصين بعيون عربية-

عباس منذر*:

يعود السبب الأساسي في نجاح التجربة الصينية الفريدة في الاصلاح والانفتاح، والتي طورت الريف والمدينة والماكينة والحقل والشارع، إلى الإنسان الصيني الذي بنته أفكار القادة السابقين وتطبيقاتهم للمبادئ الاشتراكية والإنسانية، مضافاً إليها الانفتاح على العالم بشكل مدروس بدقة متناهية، فالإنسان الصيني هو العامل المُجِدّ، صاحب الفكر النيّر، والذي يؤمن بأن العمل بكامل الوقت المتاح، وبالدقة المطلوبة، والذي لا يهدر أي فرصة تمكنه من زيادة الانتاج أو تحسين نوعيته، هو الطريق السليم للتطور، فالطريق السليم يبدأ من التخطيط السليم لكيفية التعامل مع كل المفردات، ودراسة تأثير كل واحدة على حدى، ومن ثم تأثيرها مجتمِعةً ليصار بعدها إلى التنفيذ.
ولولا اكتمال هذه الخطوات لما أمكن للصين أن تنهض بهذا الدفع الصاروخي، وتحقيق خطوات كبيرة لخدمة الانسان وتحسين معيشته، حيث يتمتع 1.3 مليار مواطن بتأمينات صحية متنوعة وهامة، بالإضافة الى نظام رعاية اجتماعية وتغطية معاش الشيخوخة لأكثر من 900 مليون فرد، وبالتأكيد أن كل هذا أدى إلى نتائج باهرة لمشروع القضاء على الفقر في السنوات الأخيرة.
إضافة إلى كل ذلك، يأتي الانضباط الحديدي للحزب الحاكم وقراراته الصارمة التي تتعامل مع كل ظرف تمر به جمهورية الصين الشعبية بشكل مناسب، فمثلاً قرار تحديد النسل لم يكن تطبيقه سهلاً لا على المواطن ولا على الدولة، ولكنه طُبِّق ونجح في الحد من النمو السكاني، الأمر الذي جعل الدولة تستطيع تأمين معيشة كل هذه الملايين من البشر في حقبة سابقة صعبة من مسيرة تطوّرها ونموّها.
كي يكون الإنسان هو سرّ النجاح في أي تجربة عالمية، فهذا يعني أن هذا الإنسان يمتلك من الثقافة والمبادئ والقيم التي سمحت له بأن يواكب هذه التجربة بإنضباط وثقة وإيمان بمبادئه، وهذا ما ميّز الإنسان الصيني المعروف بقيمه التي جعلت من المجتمع الصيني شبيه بعائلة ترعاها السلطة الأبوية للحاكم، وهذه القيم أيضًا ميّزت الشعب الصيني بكونه الشعب الوحيد في التجارب العالمية الذي لم يعتدِ يومًا على جيرانه أو على أي دولة أخرى.
لعل من أهم ما يميز المجتمع الصيني هو الثقافة المختلفة عن غيرها من الثقافات، إذ يشير علم الثقافة الصينية الذي تم توارثه من الماضي، والذي يمكن أن يُستفاد منه في المستقبل، إلى المحتويات الثقافية التي نبذت القشور واصطفاء اللباب منها، والتي تتحلى بالقيم العالمية وبالمغزى الواقعي، فإن علم الثقافة الصينية الذي يدعو إليه الصينيون اليوم، يتمثّل في الأجزاء الممتازة من الثقافة الصينية التقليدية.
إن قانون تطور المجتمع الذي تم إثباته مرارًا خلال مسيرة تطور التاريخ الصيني، والذي يتمثل في أن تطور المجتمع والدولة يمر بثلاث مراحل هي:
– المرحلة الأولى: تقوية الدولة، أي الإستقرار السياسي الذي يُطَمئِن الشعب.
– المرحلة الثانية: إثراء الشعب، أي التنمية الاقتصادية وتحقيق رخاء الشعب.
– المرحلة الثالثة: إزدهار الثقافة، أي تحضّر المجتمع.
وفي استعراض سريع لكل مرحلة من مراحل التاريخ الصيني، يتبيّن أن كل سلالة حاكمة تعتبر ضمان استقرار الوضع من مهماتها الأولى بعد صعودها، لتقوم بالعمل بعدها على تعزيز التنمية الاقتصادية، ومن ثم تسعى إلى ازدهار الثقافة.
شهدت جمهورية الصين الشعبية خلال السنوات الثلاثين الأولى بعد تأسيسها حركات سياسية عديدة وخاضت حروبًا جزئية، وكانت كل مساعيها تهدف إلى تعزيز السلطة المركزية وضمان أمن الدولة، وابتداءً من العام 1978 وصولاً إلى السنوات الأخيرة شهدت الصين نموًا اقتصاديًا كبيرًا، وحققت إزدهارًا إجتماعيًا ملحوظًا، وكان الاهتمام الصيني في تلك المرحلة مركزًا على التنمية الاجتماعية والاقتصادية وإثراء الشعب، وفي العام 2012 طرحت الصين مبادرة بناء نظام التوارث للثقافة التقليدية الممتازة وتطوير الثقافة الصينية التقليدية الممتازة، ومنذ ذلك الحين بدأت الثقافة الصينية تحظى بالاهتمام المتزايد، وشهدت الصناعات الثقافية تطورًا كبيرًا، وبدأ الشعب الصيني بالسعي إلى الغذاء العقلي والروحي والآداب والثقافة بعد ان بدأ يعيش بطمأنينة ويحقق الرخاء المادي.
إن الذي يغذي الموطن الروحي بعد تحقيق التوفر المادي هو تغذية الثقافة، لذلك أصبح التثقيف والتعليم وتحقيق الازدهار الثقافي من الأهداف الرئيسية التي تسعى إليها الصين في تطوير المجتمع، ويقول الرئيس الصيني الحالي شي جين بينغ بأن “حلم الصين لن يتحقق بدون توارث الحضارة وتطويرها وتطوير الثقافة وازدهارها، نظرًا لأن حلم الصين يجمع بين الحضارة المادية والحضارة الروحية، وأن تطوير الروح الصينية جزءًا لا يتجزأ من حلم الصين، فإن نهضة الثقافة الصينية التقليدية الممتازة التي تمثل الروح الصينية وتبني صورة الصين وتنشر صوتها، هي خطوة مهمة لتحقيق النهضة والصعود والازدهار في الحاضر والمستقبل، إذ إن الثقافة هي الروح الجوهرية الدائمة للأمة وتمثل علامة القوة الناعمة للدولة أمام العالم”.
شهدت القيم الجوهرية للأمة الصينية تغيرات وتطورات في مختلف مراحل التاريخ، فعلى سبيل المثال، يسعى المجتمع البدائي إلى قيم عصر عبادة الآلهة، ويسعى مجتمع العبودية إلى قيم عصر الطقوس والشعائر، ويسعى المجتمع الإقطاعي إلى قيم عصر الأعراف والآداب والأخلاق، ويمكن القول بأن القيم لجميع الصينيين في المجتمع الإقطاعي الصيني، الذي استمر أكثر من ألفي سنة، كانت تتمثل من حيث الأساس، في الإنسانية والاستقامة والآداب والحكمة والإخلاص.
لقد وصلت الأمة الصينية في طريق تنميتها اليوم إلى مرحلة جديدة من الاشتراكية ذات الخصائص الصينية، وتتطلب مرحلة اليوم حتمًا القيم الجوهرية التي هي روح العصر، والتي تمثل النفس الثقافي للأمة الصينية والمبادئ التوجيهية للسلوك الاجتماعي، لذا طرحت الصين القيم الجوهرية الاشتراكية المتثملة في 12 مصطلحًا هي:
– الإزدهار والقوة، الديمقراطية، التحضر، التناغم: أربعة مصطلحات تُعتبر قيمًا على مستوى الدولة.
– الحرية، المساواة، العدالة، سيادة القانون: أربعة مصطلحات تُعتبر قيمًا على مستوى المجتمع.
– حب الوطن، التفاني في العمل، الصدق والوفاء، المودة: أربعة مصطلحات تُعتبر قيمًا على مستوى الفرد.
إن كل مصطلح ضمن هذه المجموعات الأربعة يمثل قيمة جوهرية ضمن القيم الصينية الحديثة، وتعددت الشروحات لهذه القيم حسب الرؤية الثقافية للفيلسوف الذي تناولها.
بعد أن حصرت الصين نفسها خلف حدود سور الصين العظيم لقرون عديدة، اتخذت الدولة الصينية مؤخرًا قرار القفز خلف الأسوار والتوجه نحو بقية العالم، فأعلنت عن مخططها للتواصل والتعاون العالميين ضمن مبادرة عالمية أسمتها “مبادرة الحزام والطريق”.
مبادرة “الحزام والطريق” الصينية أو “طريق الحرير الجديد” هو مشروع ضخم متعدد الأبعاد، سيكون له تأثير هائل على قضايا متنوعة حول العالم، منها النقل والتجارة الدوليين، فقد أطلقت الصين هذه المبادرة في العام 2013، وهي مشروع واسع النطاق يهدف إلى ربط بلدان العالم ببعضها البعض عبر شبكة من الطرق البرية والسكك الحديدية والموانئ وخطوط أنابيب النفط والممرات البحرية وشبكات الإتصالات السلكية واللاسلكية التي تمر بالصين و65 بلدًا آخر، وقدمت الحكومة الصينية هذه المبادرة باعتبارها وسيلة لتحسين التعاون والإتصال في ما بين المناطق، وأطلقت هذا المشروع الذي يفوق كلفته التريليون دولار، وتركز المبادرة على خمسة مجالات هي: التنسيق في ما بين السياسات الإنمائية، إنشاء بنى أساسية ومرافق وشبكات، تعزيز الإستثمار والعلاقات التجارية، تحسين التعاون المالي، وتكثيف التبادل الاجتماعي والثقافي.
تتألف هذه المبادرة من فرعين هما: الحزام الإقتصادي لطريق الحرير الذي يهدف إلى ربط الصين بأوروبا مرورًا بجنوب آسيا وآسيا الوسطى؛ وطريق الحرير البحري الذي يهدف إلى ربط الصين بأوروبا مرورًا بجنوب شرق آسيا ومنطقة الشرق الأوسط وشمالي إفريقيا، ويشمل هذان الفرعان ستة ممرات إقتصادية.
من المتوقع أن تزعزع مبادرة الحزام والطريق التجارة الدولية، وأن يكون ثأثيرها هائلًا على البلدان التي يمر بها طريق الحرير وكذلك على بلدان ومناطق أخرى من العالم، فالمبادرة تتيح إطارًا إضافيًا للمساهمة في بناء عالم أكثر ازدهارًا وإنصافًا للجميع، وتحقيق أهداف التنمية المستدامة بحلول عام 2030، وتساهم في سد فجوات مالية كبيرة لتحقيق أهداف التنمية المستدامة في كثير من الدول النامية، كذلك تتيح الفرصة لتحويل المبادئ الخضراء إلى أفعال، وفرصة لإنشاء جيل جديد من نظم النقل والمدن التي تركز على الإنسان وتقدر على التكيف مع التغيرات المستقبلية، وهي طاقة تعزز الإستدامة وتخفض الإنبعاثات، وإضافة إلى كل تأثيراتها الإيجابية على العالم يظن بعض الباحثين أنها يمكن أن تحمل بعض التأثيرات السلبية التي يمكن تجاوزها في حال دراسة المبادرة بشكل أكبر من قبل الدول المستهدفة.
في ختام هذه السلسلة من المقالات حول النموذج الصيني، وضمن عملية البحث عن سر نجاح هذا النموذج، يمكن القول بأنه لطالما اتصفت بالغموض تجارب دول شرق آسيا وبالأخص التجربة الصينية، وذلك يعود لعدة أسباب منها صعوبة اللغة والقدرة على ترجمتها، بُعدها الجغرافي عن قلب العالم ومركز أحداثه، سياسة الانعزال التي اعتمدتها الصين لمرحلة تاريخية طويلة يشهد سور الصين العظيم عليها، إضافة إلى انتشار وتأثير الثقافة الغربية على العالم خلال القرون الأخيرة حتى اليوم، لكن، وعلى الرغم من كل هذا، لا يمكن لأحد أن يُخفي نجاح التجربة الصينية هذه في البناء والتطور والتقدم وصولاً إلى الإنجازات المتتالية في السنوات الأخيرة.
تعتبر التجربة الصينية نموذجًا فريدًا وجديدًا أنتجه الصينيون بأنفسهم، عبر الاستفادة من تجاربهم، ومن التجارب العالمية الماضية والحاضرة، فأخذوا ايجابيات كل تجربة، وقيّموا سلبياتها، ودمجوها مع حضارة ثقافية متجذرة عمرها آلاف السنين، شكلوا بها نموذجهم الخاص.
ومهما تعددت أسباب نجاح هذا النموذج، إلا أن السبب الرئيسي يعود للإنسان الصيني، الذي حمل ثقافة عميقة تقليدية، جدّدها عبر التاريخ إلى أن أصبحت قيمًا ومبادئ إنسانية سامية تحولت إلى أسلوب حياة وحكم وعلاقات، جعلت من الصين دولة عظمى، تقف على عتبة حكم العالم، دون أن تتحكم به بالطريقة السلبية التي عرفتها دول وشعوب الكرة الأرضية في عصر الامبريالية الغربية وخصوصًا الأميركية.
تتميز التجربة الصينية عن غيرها من تجارب العالم بأن نموذجها العملي غير قابل للنقل والتعميم، لأنه يعتمد على إرث ثقافي وتاريخي وقدرة جغرافية لا تمتلك مثيلًا له أي دولة في العالم، ولكن يمكن لدول وشعوب العالم أن تستفيد من التجربة الصينية في إنتاج هذا النموذج، بحيث أن لكل منطقة في العالم تاريخها الخاص المليء بالثورات والقادة الثوريين، وثقافتها الخاصة المتأثرة بفلاسفة ومفكرين تاريخيين، يبقى فقط على إنسان هذه المناطق أن يحذو حذو إنسان الصين في تطبيق ما يتناسب ومجتمعاته وإمكانيات دوله، وتطبيق ما يمكن من جزئيات التجربة الصينية، ليخلق بإنسانيته نموذجه الخاص، كي ينهض بمجتمعه ودولته بما يؤمن مستقبلاً أفضلًا للأجيال القادمة.
بناءً على ما سبق، يمكن للعالم كله أن يتقبل النموذج الصيني، ولكن قدرة هذا العالم على تطبيقه، تعود لقدرة السكان في كل منطقة من العالم على تقييم ماضيها وخلق نموذجها الخاص للمستقبل، وفي ظل عالم اليوم الذي يعاني من أزمات سياسية وإقتصادية وأخلاقية عديدة، يصبح النموذج الصيني حاجة عالمية للوصول إلى عالم أفضل.

*كاتب مختص بالشؤون الدولية- لبنان

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.