موقع متخصص بالشؤون الصينية

جنوب شرق آسيا: تركزٌ عسكريٌ أميركيٌ متزايد.. رداً على صعود الصين وبحثاً عن مصالح مشتركة

0

«واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس» (عبر صحيفة الاتحاد الإماراتية) ـ
كريج ويتلوك (محلل سياسي أميركي):
بعد عقدين على طرد القوات الأميركية من أكبر قاعدة لها في المحيط الهادي، تُجري الفلبين حالياً مفاوضات مع إدارة أوباما بشأن توسيع الوجود العسكري الأميركي في هذه الدولة الجزيرة، وهي المفاوضات الأحدث ضمن سلسلة من التحركات الاستراتيجية التي تستهدف الصين. ورغم أن المفاوضات لا تزال في مراحلها الأولى، فإن مسؤولين من كلا البلدين يقولون إنهم يميلون إلى اتفاق إيجابي حول هذا الموضوع. وقد كثفوا محادثاتهم يومي الخميس والجمعة في واشنطن قبل اجتماعات رفيعة المستوى في مارس المقبل. وفي حال التوصل إلى اتفاق، فإنه سيعقب اتفاقات أخرى حديثة تتعلق بنشر الآلاف من جنود المارينز الأميركيين في شمال أستراليا وسفن حربية تابعة لسلاح البحرية في سنغافورة.

ومن الخيارات التي توجد قيد البحث هناك، تسيير سفن تابعة لسلاح البحرية الأميركية انطلاقاً من الفلبين، ونشر جنود على أساس تناوبي، وإجراء عدد أكبر من المناورات العسكرية المشتركة. غير أنه وفق كل السيناريوهات، فإن القوات الأميركية ستكون ضيفاً فعلياً في القواعد الأجنبية الحالية.

ويمثل التسرع المفاجئ من قبل الكثيرين عبر منطقة آسيا والمحيط الهادي في احتضان واشنطن، ردة فعل مباشرة على صعود الصين كقوة عسكرية ونزوعها إلى تأكيد قوتها عبر مطالبتها بأراض متنازع عليها، مثل بحر جنوب الصين الغني بموارد الطاقة. وفي هذا السياق، يقول مسؤول فلبيني رفيع مشارك في المحادثات، وافق على الحديث شريطة عدم الكشف عن هويته نظراً للطابع الحساس للمفاوضات: “يمكننا أن نشير إلى بلدان أخرى مثل أستراليا، واليابان، وسنغافورة”، مضيفاً: “نحن لسنا الوحيدين الذين سيقومون بهذا الأمر، ولسبب وجيه، ذلك أننا جميعاً نرغب في رؤية منطقة يسودها السلام والاستقرار، ولا أحد يرغب في الاضطرار لمواجهة الصين”.

المحادثات الاستراتيجية مع الفلبين، بالإضافة إلى تلميحات من قبل إدارة أوباما لبلدان أخرى في جنوب شرق آسيا، مثل فيتنام وتايلند، تتعلق بإمكانية تعزيز الشراكات العسكرية. وتتوافر الولايات المتحدة حالياً على نحو 600 من جنود العمليات الخاصة في الفلبين، حيث يقومون بدور استشاري وتدريبي لفائدة القوات المحلية في الحرب التي تخوضها مع متمردين متعاطفين مع تنظيم “القاعدة”.

لكن المحادثات المتواصلة حالياً بين مانيلا وواشنطن تتعلق بشراكة أوسع ربما، إذ يقول بعض المسؤولين في الفلبين -التي يبلغ عدد جزرها 7107، إن أولويتهم تتمثل في تقوية وتعزيز الدفاعات البحرية، وبخاصة بالقرب من بحر جنوب الصين، مشيرين إلى استعدادهم لاستضافة سفن وطائرات مراقبة بحرية أميركية.

ورغم أن الجيش الأميركي لديه عشرات الآلاف من القوات المرابطة في قواعد باليابان وكوريا الجنوبية وجوام، إضافة إلى جزيرة دييجو جارسيا في المحيط الهندي، فإنه يسعى حالياً إلى تعزيز وجوده في جنوب شرق آسيا، لاسيما أن بعضاً من أكثر الطرق التجارية ازدحاماً في العالم تمر عبر بحر جنوب الصين ومضيق ملقا المجاور. غير أنه بدلاً من السعي إلى إقامة قواعد عملاقة تذكِّر بزمن الحرب الباردة، يقول مسؤولون في البنتاجون إنهم يرغبون في الإبقاء على وجود عسكري صغير. وفي هذا السياق، يقول روبرت شير، نائب مساعد وزير الدفاع الذي يشرف على السياسة الأمنية في المنطقة: “إننا لا نرغب في خلق قاعدة خاصة بالولايات المتحدة في جنوب شرق آسيا”، مضيفاً: “في كل واحدة من هذه الحالات، يتعلق القرار والنقاش بكيفية العمل والتعاون بشكل أفضل مع أصدقائنا وحلفائنا. والجزء المحوري في ذلك هو العمل انطلاقا من مواقعهم”.

هذا التمييز يكتسي أهمية خاصة في الفلبين التي طردت الجيش الأميركي من قاعدتها البحرية الكبيرة في خليج سوبيك في 1992، بعد أن رفض المشرعون اتفاقية جديدة. وإلى جانب قاعدة كلارك الجوية المجاورة، التي تركها البنتاجون في 1991 بعد انفجار بركاني، كانت قاعدة خليج سوبيك تعد بمثابة العمود الفقري للوجود العسكري الأميركي في آسيا لقرابة قرن من الزمن. لكن مانيلا وواشنطن وقعتا بعد ذلك اتفاقية تسمح للقوات الأميركية بزيارة الأرخبيل أو نشر جنود هناك بشكل دوري مع بقائها تحت سلطة القضاء الأميركي، وذلك لأن الدستور الفلبيني يمنع إقامة قواعد عسكرية أجنبية دون اتفاقية.

ويقول مسؤول فلبيني رفيع طلب عدم الكشف عن هويته لأنه يتحدث حول مناقشات سرية: “هناك حساسيات سياسية، والولايات المتحدة مدركة لذلك”، متسائلاً: “كيف يمكننا التوصل إلى ذلك الوجود بدون أن يكون مكلفاً جداً من حيث الاحتكاك السياسي؟”.

ويقول مسؤولون فلبينيون إنهم يؤيدون السماح للولايات المتحدة بنشر مزيد من القوات والسفن، طالما أنها تتعاقب بشكل دوري أو تعتبر مؤقتة. غير أن كلمة “مؤقتة” يمكن أن تعني وقتاً طويلاً. فالجنود الأميركيون الـ600 من قوات العمليات الخاصة في الفلبين، يوجدون في جزيرة مينداناو الجنوبية منذ عام 2002، وليس ثمة جدول زمني ثابت لسحبهم. وفي هذا الأثناء، ارتفع عدد الزيارات التي تقوم بها سفن تابعة لسلاح البحرية الأميركية إلى الموانئ الفلبينية خلال السنوات الأخيرة. ومؤخراً، تسلمت الفلبين سفينة حربية صغيرة من قوات خفر السواحل الأميركية وهي تسعى للحصول على سفينتين إضافيتين من أجل تعزيز قواتها البحرية. كما أنها ترغب في شراء مقاتلات اف16 من واشنطن.

وفي حوارات صحفية، لم يستبعد مسؤولون فلبينيون ومسؤولون في إدارة أوباما عودة السفن أو القوات الأميركية إلى خليج سوبيك الذي بات يمثل الآن قطباً اقتصادياً مزدهراً ومنطقة تجارة حرة، وبالتالي فإن أي وجود عسكري أميركي لن يكون لافتاً مثلما كان في الماضي.

غير أنه حتى قوة أميركية صغيرة زائرة في الفلبين يمكن أن تبعث برسالة إلى بكين. فرغم قول واشنطن إنها لا تسعى إلى احتواء صعود الصين كقوة اقتصادية وعسكرية، فإن أوباما أعلن في وقت سابق من هذا الشهر عن استراتيجية عسكرية جديدة يقوم بموجبها البنتاجون بـ”إعادة توازن” في القوات المسلحة تجاه منطقة آسيا والمحيط الهادي خلال مرحلة ما بعد الحربين في العراق وأفغانستان. بعض المدافعين عن هذا التوجه يقولون إن تحويل التركيز إلى آسيا كان ينبغي أن يحدث منذ وقت طويل، بالنظر إلى أهميتها الاقتصادية وصعود الصين. وفي هذا السياق، يقول السيناتور جيمس ويب (الديمقراطي عن ولاية فرجينيا)، رئيس لجنة شؤون شرق آسيا والمحيط الهادي المنبثقة عن لجنة العلاقات الخارجية التابعة لمجلس الشيوخ: “إني لا أعتبر هذا في الواقع تحولا، بل ما أراه الآن هو عودة إلى الوضع العادي الضروري”، معللاً ذلك بالقول “إن وجود الولايات المتحدة أصبح المكون الأساسي للاستقرار”.

وإضافة إلى الفلبين، تسعى فيتنام -وهي بلد آخر كان يرفض الوجود العسكري الأميركي في الماضي- إلى إصلاح علاقاتها مع الولايات المتحدة. ففي أغسطس الماضي، زارت سفينة تابعة للبحرية الأميركية قاعدة بحرية فيتنامية في خليج “كام رانه” لأول مرة منذ 38 عاماً. وخليج “كام رانه” هو عبارة عن ميناء عميق المياه وكان واحدا من أكبر المنشآت العسكرية الأميركية خلال حرب فيتنام. ومنذ عام 2009 شرعت فيتنام، التي لديها نزاعات ترابية مع الصين، في فتح قواعدها تدريجياً أمام البحرية الأميركية من أجل زيارات لموانئها وعمليات إصلاح السفن.

وتعليقاً على هذا الموضوع، يقول ويب “إنني لا أتوقع رؤية قاعدة أميركية في فيتنام في المستقبل القريب، لكننا رأينا قدراً أكبر بكثير من التعاون العسكري”، مضيفاً: “إنهم لا يقومون بقطع علاقاتهم مع الصين، وإنما يحاولون إحداث توازن فيها”. الأدميرال جونثان دبليو. جرينرت، قائد العمليات البحرية، وصف جنوب شرق آسيا بالمنطقة التي تمتلك “أكبر إمكانيات ربما في المستقبل” حتى يعمل سلاح البحرية على تعزيز وجوده من خلال الشراكات العسكرية. وفي خطاب ألقاه في العاشر من يناير الجاري في “المركز من أجل أمن أميركي جديد” في واشنطن، خص الأدميرال الفلبين بالذكر باعتبارها بلداً “قد يشهد ظهور مزيد من الفرص”، وإن لم يستفض في الشرح. لكن جيرنرت حذر من أن بعض هذه الشراكات ستكون محدودة، إذ قال: “ليس الجميع مهتما بالدخول في تحالف وتقييد نفسه بالتزامات على المدى الطويل”، مشيراً إلى فيتنام كمثال: “إننا لا نرغب في الضغط عليها أكثر مما ينبغي، لأنك إذا تحركت بشكل سريع، فسيكون ثمة تردد من جانبهم”.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.