من بلاد الحضارة إلى وطن الحرية: رسالة إلى القائمين على نشر الكلمة اللبنانية الحرّة

0

 

 

موقع الصين بعيون عربية ـ
محمد زريق:

 

إنَّ الحرية في لبنان مقدسة ومصانة، فقد نصّت المادة 13 من الدستور اللبناني على الآتي: “إنَّ حرية التعبير الشفهية والخطية والمنشورة … مصانة ضمن الحدود الموضوعة في القانون”. إنَّ درب الحرية صعب وطويل ومحفوف بالمخاطر، وأصعبها هو درب الكلمة الحرّة والجريئة وليس درب البندقية كما يظن البعض، إنَّ لبنان هو الوطن الاستثنائي الذي استحق بجدارة لقب “بلد الحريات”، هذه الصفة التي أصبحت جزءاً من الهوية اللبنانية لم تكن لتكون لولا دماء شهداء سالت على مذبح الصحافة وقدسية الكلمة. لعل لبنان هو الوطن الذي يحمل رسالة السلام وحرية التعبير، فالعلاقة ما بين السلام والحرية هي علاقة ترابطية لأنه لا سلام ما لم تتوفر الحرية، فكيف يمكن للقلم الحر أن يكتب وللكلمة الجريئة أن تُلفَظ في ظل أنظمة دكتاتورية وقمعية، ولأنَّ الشعب اللبناني هو شعب لا يمكن أن يُقيّد فقد علقت الدولة العثمانية نخبة من الصحافيين اللبنانيين على المشانق في شهر أيار، وهكذا فقد تمَّ تعيين اليوم السادس من شهر أيار عيداً للشهداء في لبنان، والأعظم من هذا كله هي وصية الصحافيين الشهداء “نموت أحرار ولا نعيش عبيد وأسرى الغير”.

إنَّ تاريخ الصحافة اللبنانية حافل بالأحداث والمحطات التي انطبعت في ذاكرة هذا الوطن، فمن منّا لا يذكر كلمات رئيس مجلس إدارة صحيفة النهار “جبران تويني”، الشاب الذي حمل قلمه ونزل إلى الساحات ليقول للعالم أنه في لبنان الحق يؤخذ بالقلم والكلمة الحرة وليس بالبندقية، الصحافي جبران تويني الذي وحّد اللبنانيين بالقسم الشهير “نقسم بالله العظيم مسلمين ومسحيين أن نبقى موحدين دفاعاً عن لبنان العظيم إلى أبد الآبدين”، ومن شهداء الحرية الصحافي “سمير قصير”، الذي حمل أفكاره التحررية وكتب دون قيود ولأنه كان شجاعاً وحراً، فقد سال دمه على مذبح الكلمة الحرة. والكثير من الأسماء التي باتت محفورة في الوجدان اللبناني، مثل: نسيب المتني وكامل مروة وسليم اللوزي ونقيب الصحافة رياض طه.

الأهم أنه ليس كل من حصل على شهادة دراسية واستطاع القراءة والكتابة سيؤمن بأنَّ الكلمة هي الأقوى من كل الأسلحة وهي التي تدوم بعد أن تنتهي الحروب، فالكثير من الكتّاب يمتهنون الصحافة لكسب لقمة العيش ليس إلا، ولا يهم إن كانت هذه الكلمات نافعة أو إن كانت كلمات منمقة لإرضاء الطبقة الحاكمة. إنَّ حياة الأنبياء كانت مليئة بالظلم والتعاسة من أجل أن تحيا الأمة من بعدهم بسلام ومن أجل أن تصل الرسالة بالطريقة المناسبة، فالمسيح عيسى ابن مريم كان مظلوماً ولم يكن ظالما أبداً رغم امتلاكه قوة فوق الطبيعة، والنبي محمد تقبّل الإساءة وسامح لظالميه لأنها من شيم الكرام والعِظام، وأن تكون صحافياً في لبنان فالمسؤولية مضاعفة لأنكَ ستعيش في عالم الحرية وكل الوسائل متاحة أمامك للتعبير عن رأيك بكل تجرد، ولهذا فإن لبنان هو نقطة فريدة إقليمياً ودولياً، بسبب الهامش الواسع من حرية الرأي والتعبير، ففي لبنان على سبيل المثال لكل طائفة وحزب القنوات التلفزيونية الخاصة والصحف التي تطال شريحة معينة من الجمهور وصفحات الانترنت الكثيرة والمتاحة دون قيد أو شرط. أضف إلى ذلك، عدم وجود خطوط حمراء لهذه الحرية أو بمعنى آخر يمكنك التعبير عن رأيك بكل حرية شرط عدم المس بالمقدسات والسيادة الوطنية. إنَّ هذه الحالة الفريدة لن تجدها في دولة عربية أو دولة أجنبية، بسبب أجهزة الرقابة المشدّدة والأنظمة القاسية هناك.

إنَّ الملوك والسلاطين وكل من كان قاسياً وظالماً وحَكَمَ بدكتاتورية كلهم رحلوا ولم يبقى لهم أثر وعند رحيلهم كانت فرحة الناس لا توصف، في المقابل كان الحزن دائماً يَعُم البلد عند رحيل أحد الصحافيين أو الإعلاميين، لأنهم الصورة المشرقة والمشعّة عن لبنان وبمثل هؤلاء يفخر الله وبيدهم تُكتب عدالة ما كانت لتكون لولا وجودهم وإعطاءهم قيمة للحرية وللكلمة، ودموع الحزن والفراق لا تليق إلا بأصحاب الفكر الحر المتجدد مع الأيام والذي لا يمكن أن يحدهُ مكان أو زمان.

هكذا نحنُ في لبنان، شعبٌ منتفض على ذاته وعلى كل من يريد أن يروضه، فمِن هنا كانت أول مطبعة ومن هنا صدّرنا الحرف والكلمة ومن هنا أيضاً خرجت كلمة الله على شفاه الأنبياء والقديسين، فمخطئ هو من يظن أنَّ القتل وسفك الدماء والظلم والإجرام هي من شيمنا، راجعوا كتب التاريخ يا أصحاب العقول لأنَّ هناك بعض من الحقيقة، فنحنُ لم نعتدي يوماً بل تقبّلنا الإعتداء بصدر رحب وقاومنا لأنَّ الوطنية لا تباع ولا تشترى بل تولد، وكنا مع شارل مالك شركاء في صناعة السلام العالمي وتقريب المسافات بين الشعوب ومركزاً دائماً لحوار الحضارات والثقافات.

تعتبر صحيفة “حديقة الأخبار” الـتي أصدرها خليـل الخـوري فـي بيروت مطـلع كـانون الثـاني 1858 “أم الصحف العـربية” وأول دوريـة سياسية غير رسمية تصدر على الأراضي العربية. أما الصحف العربية التي صدرت من الخارج فقد كان للبنانيين الدور الهام في انطلاقتها، وفي هذا الإطار تقول الكاتبة ليلى حمدون عن الصحف العربية في الخارج: “نجد أن أغلبها صدر عن لبنانيين أو كان للبنانيين فضل في إصدارها، كالكونت رشيد الدحداح الذي أصدر جريدة “برجيس باريس” عام 1858، وأحمد فارس الشدياق الذي أصدر “الجوائب” في إسطنبول عام 1860″. أما ثاني جريدة صدرت في لبنان، فهي “نفير سوريا”، التي أسسها المعلّم “بطرس البستاني” العام 1860 في بيروت، وكانت تدعو الى الوحدة الوطنية إثر مذابح 1860 الطائفية.

لاقت السينما في لبنان رواجاً وقد أقبل اللبنانيون على ارتيادها لحضور الأفلام والترفيه، كما وارتاد اللبنانيون المسارح التي تختص بعرض المسرحيات، وقد زار لبنان أهم الشخصيات الإعلامية والفنية والإذاعية والكتّاب والصحافيين، والكل أجمع على أنَّ لبنان هو وطن متكامل وبيئته حاضنة للصحافيين والإعلاميين وذلك بسبب الهامش الواسع من الحرية، التي كانت ولا تزال إلى يومنا هذا.

وقد كان للصحف اللبنانية المهجرية دور كبير في ربط الجالية اللبنانية والإبقاء على الروح الوطنية، ففي الولايات المتحدة صدرت الصحف التالية “كوكب أميركا” – “العصر” – “الأيام” – “مرآة الغرب” –  “الحارس” – “الشعب” – “الفنون” – “السمير” – “السائح”، أما في المكسيك فقد صدرت الصحف التالية “الشرق” – “المطامير” – “صدى المكسيك” – “الخوطر” – “الصاعقة” – “الاعتدال” – “القسطاس” – “الفرائد”، وفي الأرجنتين فقد صدرت الصحف التالية “الصاعقة” – “صدى الجنوب” – “الصبح” – “الزمان – “المرسال” – “الاصلاح” – “التمدن” – “الحياة” – “الاتحاد اللبناني”، وفي التشيلي الصحف التالية “المرشد” – “المنبر” – “الوطن” – “التفاهم” – “الاعتدال” – “النشرة العربية” – أما في البرازيل فقد صدرت الصحف التالية “الرقيب ” – “الأصمعي” – “الأمازون” – “الميزان” – “الشرق”. وهكذا فقد حمل اللبناني كلمته الحرة معه ونشر فكره ونثر حكاياته في كافة أصقاع العالم.

بعيداً عن لبنان والصحافة اللبنانية، أنا اليوم أنشر كلماتي هذه من الصين، من بلاد الحضارة والثقافة والعلم والتجارة، فما يجمع الصين بلبنان علاقة من الصداقة والأخوة مبنية على المصالح المشتركة، وبما أنني متخصص في مبادرة “الحزام والطريق” التي أطلقها الرئيس الصيني السيد شي جين بينغ، وبالتحديد الدور اللبناني في هذه المبادرة ومكانة لبنان الجيوبوليتيكية على الخارطة الصينية الرسمية، أحببت أن أوجه بعض الكلمات إلى كل معني.

أتوجه إلى وزير الإعلام اللبناني الذي نحب ونحترم وإلى وزير الافتصاد اللبناني الذي أصبح جزءاً لا يتجزأ من العلاقات الصينية اللبنانية وهو مشكور على جميع مساهماته في سبيل تفعيل هذه العلاقة وتعزيز دور لبنان في مبادرة الحزام والطريق، كما وأتوجه إلى القائمين على وسائل الإعلام اللبنانية دون استثناء والقائمين على الصحف اللبنانية والإعلاميين والكتاب اللبنانيين، بالقول “إنَّ زماننا اليوم مختلف عن الأزمنة السابقة، لقد كانت العين اللبنانية متجهة دائماً نحو الغرب، وتمَّ دمج الشعب اللبناني بشكل جيد مع الثقافة الغربية عن طريق بث أفلام هوليوود واستيراد كل شيء مدبلج والتركيز على الأحداث السياسية في الغرب واستيراد العادات والتقاليد الغربية والترويج لها؛ أقول لكم اليوم وأنتم الأوصياء على الكلمة اللبنانية لا تقطعوا العلاقات هذه مع الغرب، ولكن أيضاً إنَّ هذا العصر هو عصر الصين الذهبي والصين هي الدولة الصاعدة والتي ستأخذ مكان الدول الغربية وهذا قادم لا محال. إنَّ الصين اليوم في أفريقيا وأميركا اللاتينية وفي الشرق الأوسط وفي آسيا الوسطى وأوروبا هي بحاجة إلى الشريك الصيني القوي، أما الولايات المتحدة فهي حالياً في مرحلة حرب اقتصادية مع الصين وما نعرفه هو أنَّ الولايات المتحدة لن تكسب في هذه الحرب التي فتحتها إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، لا بل ستجلب لها الخسائر الاقتصادية، وذلك حسب المحللين الأميركيين. والأهم من هذا كله هي مبادرة “الحزام والطريق” الاقتصادية التي طرحها الرئيس الصيني شي جين بينغ، هذه المبادرة التي ستغير واقع العالم وستجعل من الصين مركزاً عالمياً وستحولها إلى قوة عظمى، وبما أنَّ هذه المبادرة ستشمل لبنان وبما أنَّ لبنان هو وطن الاقتصاد الحر وهو ساحة للكلمة الحرةَّ، وبناءاً على كل ما تمَّ ذكره فإننا اليوم على موعد مع جعل لبنان المضخة الإعلامية الناطقة بالعربية والمتخصص بمبادرة الحزام والطريق، إنًّ بلد الحريات والاقتصاد المنفتح والوطن المستقل هو على موعد مع إدخال العنصر الصيني إلى لبنان ومنه إلى الوطن العربي، ونحن نعرف مدى قوة وتأثير الاعلام اللبناني على المتلقي العربي. أطلب من الدولة اللبنانية والمؤسسات الاعلامية الخاصة، أن تمد يدها إلى الدولة الصينية لندخل عصر جديد من التعاون الاعلامي المشترك، بحيث تكون فيه مبادرة الحزام والطريق في الطليعة”.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.