تطوّر الجَامعات الصِّينية… هَل الصّين وُجهة دِراسة مُناسبة؟

4

 

 

موقع الصين بعيون عربية ـ
بشّار جَابر*

يُعتبر العِلم أهم الضرورات التي تُتِيح للشعوب النهضة والتفوّق وبقاء أثرها الحضاري المُنير في الحياة، وتناقل العرب والمسلمون على مرِّ العصور مقولة مأثورة هي “أطلبوا العلم ولو في الصين”، وفي العادة تضرب هذه المقولة كدلالة على أهمية البحث عن العِلم حتى لو في “آخر” أصقاع الأرض ـ في تلك العصور-، أمّا اليوم فقد أصبح الوقت والجهد اللازم أقل بكثير للوصول الى مصادر العِلم، فخلال ساعات قليلة يستطيع أي شخص التنقّل بين أقطاب الأرض وأصقاعها، أو استخدام وسائل التواصل الحديثة للحصول على المعلومات.

بالتأكيد، أثّرت العولمة جنباً إلى جنب مع وسائل النقل المتطورة على أعداد الطلاب المتنقّلين حول العالم لاستكمال دراساتهم العليا، بالإضافة الى عدد من العوامل الأخرى، كجودة الجامعات ـ بخاصة العريقة -، وحُبّ استطلاع الحضارات والتنوّع الثقافي، والتكلفة المادية، وسمعة المجتمعات المُستضيفة للطلبة، وأيضاً المنح الدراسية المقدمة من الحكومات.

وبحسب بيانات منشورة على موقع وزارة التعليم الصينية، في عام 2018، نجد ما يُقارب “نصف مليون” طالب أجنبي، من 196 دولة، يُكمِلون دراساتهم العليا في جمهورية الصين الشعبية، وهم موزعون على 1004 من المؤسسات التعليمية، ومعظمهم يدرسون على نفقتهم الخاصة، وتشكل نسبة 87.19%، في المقابل هنالك 12.81% يدرسون من خلال منح مقدمة من الحكومة الصينية. بالطبع، هذه الأعداد في تزايد مستمر، فبمقارنة مع العام 2017 نجد زيادة بنسبة 0.62% مقارنة بزيادة 10% مع العام 2016، ما تعنيه هذه الأرقام بأن الصين تصبح عاماً بعد عام “وجهة” للطلبة الدوليين، وبالطبع ساعدت المنح الحكومية الصينية في جذب المزيد من الطلاب الدوليين. (1) (2)

وبالانتقال الى السمعة الطيبة لجودة الجامعات الصينية، فسنجد أن المرتبة التي تتبؤها الجامعات الصينية على العالم متميزة، فكما يُشير موقع (www.topuniversities.com) – المتخصص بتصنيف ومقارنة الجامعات بمقاييس عالمية – بأن 6 من الجامعات الصينية تقع ضمن أفضل 100 جامعة في العالم، والجدول رقم (1) أدناه يُبين أسماء وترتيب هذه الجامعات.(3)

وتتبنى الصين مشاريع متعددة للوصول بالجامعات الى القمة، منها مشروع “211” و”985″، ومؤخراً “مبادرة الدرجة الأولى المزدوجة” والتي ساهمت في رفع التصنيف العالمي للجامعات، حيث أصبح عدد منها في المائة الأولى على مستوى العالم، و100 ضمن الألف جامعة الأولى، وهذا دليل واضح على اهتمام الصين برفع تصنيف الجامعات منذ عصر أمين عام الحزب الشيوعي الصيني “دينغ شياو بينغ” وسياساته الاصلاحية، وصولاً الى يومنا هذا، حيث يَتبّنى الرئيس “شي جين بينغ” التعليم كأولوية (4)

أما فيما يتعلق بالمجتمعات المُضِيفة للطلاب الأجانب، فالأمة الصينية تُعتبر من الأمم المسالمة، فخلال دراستي في الصين كطالب “أجنبي”، وجدت ترحيباً حاراً أينما ذهبت وحللت، وكنت طوال الوقت أشعر بالأمان، خلال تنقلي في أي مكان وفي أية أوقات نهاراً وليلاً، ولم أواجه أية مشكلة، وتجد العديد من الصينيون يريدون التقاط صور معك، أو تجاذب أطراف الحديث لمعرفة جنسيتك وثقافتك. وإذا كنت تمتلك الشَّعر الأبيض، فإن ذلك سيزيد باحترامك بين مَن هم أصغر منك أو بعمرك، من منطلق احترام صِغار السّن للأكبر منهم وخاصة في المجتمعات الريفية، أما اذا امتلكت لحية طويلة فسوف تصبح “نجم عالمي” من أعداد منَ يرغبون بالتقاط صور معك، كل هذه العوامل تجعلك ترغب في الدراسة بالصين.(5)

وترتبط مكانتك بالمجتمع بشكل وثيق “بالجامعة التي تخرّجت منها” في الثقافة الصينية، فاذا كنت خريج جامعة “تشنخوا” أو “بكين” فسوف تجد أسواق العمل الصينية تتهافت عليك للعمل معها – وهنالك العديد من الجامعات الاخرى المهمة – ولكن هاتين الجامعتين تعتبران الاكثر تنافسية فيما بينهما، بالاضافة الى تنافس ملايين الصينيين للظفر بمقعد جامعي في أيٍّ من هاتين الجامعتين، وتعتبر جامعة “تشنخوا” الأولى محلياً وعالمياً من حيث ترتيب الجامعات الصينية، تليها جامعة “بكين”. وللعِلم، تقع الجامعتان في العاصمة بكين، وتفصل بينهما مسافة أقل من 5 دقائق بالسيارة، وتجد مجتمع طلابي رائع في المنطقة.

وبالانتقال الى التكلفة المادية، ففي العاصمة “بكين” يمكنك شراء 1 كغم من الطماطم بأقل من 1 دولار أمريكي من المناطق الراقية، وبنصف هذا السعر في الأسواق الشعبية، وأيضاَ تعتبر أسعار المواد الأساسية مثل السكر والأرز معقولة جداً، أما فيما يتعلق بالسكن فمن الممكن استئجار شقة في الضواحي، وتكون في العادة رخيصة ومناسبة للطلاب الباحثين عن أقل التكاليف، أو يمكنك الاستئجار في مناطق راقية في العاصمة بكين، ولكن سوف يترتب عليك دفع بضعة مئات من الدولارات لتستأجر في مثل هذه المواقع، وفيما يخص أسعار الكهرباء والماء والنقل العام، فجميعها معقولة جداً، ويمكن لطالب بكالوريوس العيش بحدود 300-350 دولار أمريكي، موزعة ما بين سكن وطعام والأساسيات الأخرى. (6)

 

في الختام أو الإشارة، إلى أن الحكومة الصينية تدعم التعليم العالي للوصول الى مؤسسات تعليمية رائدة – وهو ما بدأت الصين بجني ثماره-، ولكن تبقى المنافسة شديدة بين الصين وباقي دول العالم، فإحدى المساوئ التي تواجهك في دراستك في الصين، هي قِلّة المتحدثين باللغة الانجليزية من الصينيين، ويمكنك استخدام تطبيقات ذكية لحل جزء من هذه المشكلة، وبقدر ما تعتبر هذه مشكلة، فهي تعتبر تحدي لاستمرارك في الدراسة والعيش في الصين، وحافزاً للطالب لتعلّم اللغة الصينية، لتسهيل مهام حياته اليومية ولتذليل أي طارئ قد يحدث خلال تواجده هناك، ولتفاعل أكثر مع المجتمع والثقافة الصينية الغنية المضمون والعريقة.

#بشار جابر: مُحلِّل سياسي واقتصادي أردني، وحاصل على ماجستير “سياسة عامة” من جامعة بكين – جمهورية الصين الشعبية.

ـ هوامش:

(1) موقع وزارة التعليم الصيني, تقرير احصائي عن الطلاب الدوليين في الصين لعام 2018, باللغة الانجليزية, منشور بتاريخ 18/4/2019, http://en.moe.gov.cn/documents/reports/201904/t20190418_378692.html

(2)  موقع وزارة التعليم الصيني, تقرير موجز عن الطلاب الأجانب الصينيين والطلاب الدوليين في الصين 2017, باللغة الانجليزية, منشور بتاريخ 1/4/2018, http://en.moe.gov.cn/documents/reports/201904/t20190418_378692.html

 

(3)  موقع Top Universities, عنوان الصفحة QS World University Ranking, باللغة الانجليزية , تاريخ الزيارة: 12/6/2019: https://www.topuniversities.com/university-rankings/world-university-rankings/2019

(4)   موقع وزارة التعليم الصيني, تعليم الصين: 40 عامًا من الإنجازات الملحمية, باللغة الانجليزية, منشور بتاريخ 20/12/2018, http://en.moe.gov.cn/news/press_releases/201812/t20181224_364525.html

 

(5)  هذه ملاحظات وتفاعل بيني وبين المجتمع الصيني بالاضافة الى تجارب طلاب دولييون وخبراتهم

(6)   المصدر السابق

4 تعليقات
  1. مروان سوداح يقول

    هذه المقالة تشكل مرجعا معلوماتيا وعلميا لكل من يريد معرفة حقيقة الدراسة في جمهورية الصين الشعبية ومستوى الجامعات الصينية. شكرا أستاذ بشار لتعبك وجهدك الكبير لإنجاز هذه المقالة التي ستفرح بها الأوساط الدبلوماسية والعلمية الصينية والاوساط الاجتماعية والطلابية الأردنية .

  2. بشار جابر يقول

    اشكرك استاذ مروان على هذه المشاركة وكل الاحترام لكم ولموقع الصين بعيون عريية، انتم وهذا الموقع تشكلون منارة لمعرفة الشأن الصيني والعلاقات العربية الصينية التي نفتخر بها؛ وما نفعله هو واجبنا كمثقفين بنشر المعرفة ونقلها للجميع.

  3. غسان علي ابوهلال يقول

    تحية طيبة للجميع ان الجامعات الصينية من اقوى بل وافضلها على الاطلاق.

    1. بشار جابر يقول

      تحية طيبة وأشكرك أستاذ غسان على مشاركتك وتعليقك

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.