الحرب التجارية … أيتأجج صراع التنين الصيني والكاوبوي الأمريكي؟

1

 

 

موقع الصين بعيون عربية ـ
بشار جابر
*:

 

يُحقق الاقتصاد الصيني، منذ شروعه بالإصلاحات الداخلية والانفتاح الخارجي، أرقاماً مدهشة منذ عام 1978، وتكلّلت جهود قادة جمهورية الصين الشعبية خلال ال40 عاماً المنصرمة، بالوصول الى المرتبة الثانية في العالم من حيث إجمالي الناتج المحلي، وها هي الدولة الصينية تسير بثبات للوصول الى المرتبة الأولى، وتُلاحظ مناهج الشّراكة والسلمية في كافة عَملانياتها، فلا نجد صراعات عسكرية أو سياسية تذكر، ولكن هذا التقدم والتطوّر الذي تشهده الصين أصبح الهاجس المؤرّق للإدارة الأمريكية، ذلك لشعورها بفقدان مرتبتها الأولى، بالتدريج، وانسحابها من قمة التجارة العالمية.

ومع وصول الإدارة الأمريكية الحالية للبيت الأبيض، أصبحت السياسة الخارجية أكثر عدائية خلال الأعوام الأخيرة، خاصةً من جانب رأس الهرم – الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي يبدو تارةً وكأنه مراهق سياسي، وتارةً أخرى يتصرّف كما لو كان “ديكتاتور” يحَكم العالم، ولم يبقى إلا أن يطل علينا يوماً وينصب نفسه “ملك العروش”!

 

نحن الآن في هذا العالم نواجه أخطار عظيمة عنوانها “الحرب التجارية” التي أشعلها راعي البقر الأمريكي مع التنين الصيني، بفرض ضرائب على سلع معينة منذ أكثر من عام – يُذكر أن الحرب ابتدأت بتصريحات وتلميحات منذ استلام الإدارة الأمريكية الحالية لمهامها عام 2017-.(1) ويدّعي صانع القرار الأمريكي بأن الإجراءات جاءت لموازنة العجز في الميزان التجاري للحفاظ على الأمن القومي الأمريكي وأنها ليست حرباً، فالحرب “خسرتها” الولايات المتحدة منذ مدة. (2) ولكن الواقع هو المحاولة الأمريكية للاستفراد بقمة التجارة بدون منافس، ورغبة بتدمير اقتصاد الصين “المنافس القوي”، بخاصةً القطاعات التكنولوجية والصناعية من هذا الاقتصاد الصيني، وسيخلف ذلك ضرراً سيطال الجميع، ومن أبجديات عالم الأعمال، أن غياب التنافسية القوية سيؤدي إلى التحكّم بالسوق وفرض رأي الطرف الأقوى.

 

وينطبق هذا الامر على كافة “الترمبيات” التي يواجهها العالم، إذ نذكر جميعاً مدى ما وصل إليه التنمّر الأمريكي على العالم، خلال التصويت على الاعتراف بـ”القدس” عاصمةً للكيان الصهيوني. في حينها هدّد الرئيس ترامب بقطع كافة المساعدات عن الدول التي تصوّت ضد هذا القرار!(3)  هل كان هذا أيضاً لحماية الأمن الوطني الأمريكي؟! وحتى بعد وقوف العالم ضد راعي البقر الأمريكي لم تتوقف “الترمبيات” إيّاها، بل جرى نقل السفارة الأمريكية الى القدس المحتلة بكل صلف وفي مواجهة لإرادة المجتمع الدولي وقرارات الشرعية الدولية. والأنكى من ذلك، أن ترامب بدأ بالتجهيز لِ “صفقة القرن”، المرفوضة من الجميع قبل معرفة مكنوناتها، فالمثل يقول – الذي يُجرَّب المُجرِّب.. عقله مخرب – .

 

لا أعتقد أن الرئيس الأمريكي يخطط جيداً لأي قرار يتخذه، فنتائج قراراته هي غضبة المجتمع الدولي، والواضح أن السياسة الخارجية “للعم سام” ستقوده إلى عزلة وفقدان لمكانتها الدولية، في حالة استمرت بالغطرسة والوقاحة التي هي عليها الآن، والأمثلة عديدة كالحرب التجارية، و “صفقة القرن”، والإساءة الى رموز دول وإملاءات على مشتريات دول اخرى من الأسلحة، والتدخل في فنزويلا، و “نقل” الجولان المحتل الى الكيان الصهيوني، وحتى دائرة الإطفاء الباريسية لم تسلم من “ترامبياته”، عندما غرّد بإمكانية إطفاء حريق كاتدرائية نوتردام بقذف الماء عليها من المروحيات!!!، وكان رد رئيس الدائرة بأن ذلك “سيهدم” الكاتدرائية، (4) وأُذكّر هنا، بأن عهد هذا الرئيس الامريكي شهد أكبر حريق عرفته كاليفورنيا.

 

كما أسلفت، فإن غياب التنافسية التجارية يجعل العالم رهناً للولايات المتحدة الأمريكية، والخوف الأمريكي من تنافسية الشركات الصينية والدولة الصينية نفسها، يجعل أمريكا تشن حرباً على كل منهما، ولكن الصين واثقة الخطوة وتتغلب على العقبات، بل أنها تخلق الفرص بلا توقف، فنجد عملاق التكنولوجيا الصيني “هواوي” في طريقه الى تطوير نظام تشغيلي خاص به، مما يعني انتهاء عصر التبعية لنظام “جوجل”، بالإضافة الى توقيع (46) عقداً مع (30) دولة لمشاريع الجيل الخامس.(5)  كما أن الصين تبنّت إجراءات مضادة ضد التصعيد الأمريكي بفرض تعريفة على (60) مليار دولار أمريكي من الواردات الأمريكية، (6)ولم تتخذ أي إجراءات أحادية الجانب -أي أن سياستها دفاعية-، وذلك يُبيّن مدى التوازن وضبط النفس الذي تتحلّى به الحكومة الصينية، فهي لا تريد تأجيج الحرب بقدر إنهاء الخلاف، واستمرار الاستدامة الاقتصادية للجميع، وحالياً تلوّح بإجراء جديد مضاد بإدراج قائمة لـ”كيانات غير موثوقة” لا تحترم القواعد والقوانين.(7)

 

حالياً، يرى التنين الصيني بأن الاستدامة والنمو الاقتصادي أولوية لديه، والبيانات التي تصدر من فترة الى فترة توضّح مدى قوة العملاق الصيني في تحمل الضغوطات، فقد بلغ إجمالي الناتج المحلي للعام 2018 ما يقارب (13) تريليون دولار أمريكي وبنمو (6.6%) عن العام 2017،(8)  وأذكر هنا بأن الصين تحتل المرتبة الأولى بالتعداد السكاني بما يقارب (1.4) مليار نسمة، أو يزيد، تُمثّل (18.5%) من سكان العالم، وهذا الشعب العظيم الواثق بحكومته يلتف حول منتجات الشركات الصينية لدعمها، وهو ما يحدث حالياً وتتناقله الأخبار ووسائل الاعلام في كل المَعمورة، يُضاف الى ما سبق “مبادرة الحزام والطريق”، التي هي منفذ من أي ضغوطات أمريكية على الاقتصاد الصيني، فالصين تبني شبكة اقتصادية وتكتل هو الأكبر في تاريخ الكرة الارضية – في حال تراجع وتقويض قوة منظمة التجارة العالمية بسبب الحرب التجارية -، وبإمكانها بالتالي إيجاد أسواق بديلة لمنتجاتها في حال استمرار هذه الحرب.

 

وفي الخاتمة، فإن الحكيم الصيني يتخذ موقفاً هادئاً من تخبطات السياسة الأمريكية وغوغائيتها، ويُصر على أن الصين لا تريد الحرب التجارية، ولكنها لا تخاف منها، وتفتح أيديها لأي حوار واستقبال مَن يريد الشراكة، لا مَن يريد السيادة والتحكم بشؤونها وفرض إملاءات عليها، وفي نفس الوقت هي ليست عاجزة عن الدخول في هذه الدوامة الترمبية ولكن بأية تكلفة؟ واتمنى من الحكومة الصينية البقاء بوضعية ضبط النفس في التعامل مع الأزمات التي تصدّرها الولايات المتحدة للعالم، فالحرب ستكون تكلفتها عالية ليس على الصين والولايات المتحدة فقط، بل ستكون هنالك تكلفة على العالم كله، وكذلك على الاستدامة والنمو الاقتصادي؟

 

#بشار جابر: مُحلِّل سياسي واقتصادي أردني، وحاصل على ماجستير “سياسة عامة” من جامعة بكين – جمهورية الصين الشعبية، وعضو مُقرّب من الاتحاد الدولي للصحافيين والإعلاميين والكتّاب العرب أصدقاء و (حُلفاء) الصين.

_______________________

هوامش:

(1) الكتاب الأبيض، الحكومة الصينية، 2019، تمت الزيارة بتاريخ 13/6/2019: http://english.gov.cn/news/top_news/2019/06/02/content_281476694691334.htm
(2) تغريده الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، موضوعها “الإجراءات المتخذة ضد الصين”، (بالإنجليزية)، 4/4/2018, تمت الزيارة بتاريخ 13/6/2019: https://twitter.com/realDonaldTrump/status/981492087328792577
(3) خبر منشور على موقع BBC، “ترامب حول تصويت القدس: “دعهم يصوتون ضدنا..سنوفر الكثير من الأموال””، 20/12/2017، تمت الزيارة بتاريخ 13/6/2019: http://www.bbc.com/arabic/middleeast-42433456
(4) تغريده الرئيس الأمريكي دونالد ترامب, موضوعها “نصيحة لإطفاء حريق نوتردام”، (بالإنجليزية)، 4/4/2018, تمت الزيارة بتاريخ 13/6/2019: https://twitter.com/realDonaldTrump/status/1117844987293487104?ref_src=twsrc%5Etfw%7Ctwcamp%5Etweetembed%7Ctwterm%5E1117844987293487104%7Ctwgr%5E363937393b70726f64756374696f6e&ref_url=https%3A%2F%2Fwww.theguardian.com%2Fus-news%2F2019%2Fapr%2F16%2Ftrump-notre-dame-twitter-advice-experts-deride-presidents-flying-water-tips
(5) صحيفة الشعب, “هواوي تحصل على 46 عقدا تجاريا لشبكات الجيل الخامس” في 30 دولة، 6/6/2019، تمت الزيارة بتاريخ 13/6/2019: http://arabic.people.com.cn/n3/2019/0607/c31659-9585737.html
(6) الجزيرة، Tit-for-” tat: الصين مستعدة للرد إذا تصاعدت الولايات المتحدة الحرب التجارية”، 11/6/201، تمت الزيارة بتاريخ 14/6/2019: https://www.aljazeera.com/ajimpact/tit-tat-china-ready-respond-escalates-trade-war-190611122616959.html
(7) صحيفة الشعب الصينية، “تعليق: الرسائل الصينية من إحداث “قائمة الكيانات غير الموثوقة”، 4/6/2019، تمت الزيارة بتاريخ 13/6/2019: http://arabic.people.com.cn/n3/2019/0604/c31664-9584540.html
(8) بيان صحفي، “البيان الإحصائي لجمهورية الصين الشعبية بشأن التنمية الاقتصادية والاجتماعية الوطنية لعام 2018″، مكتب الإحصاءات الوطني الصيني، 28/2/2019، تمت الزيارة بتاريخ 14/6/2019: http://www.stats.gov.cn/english/PressRelease/201902/t20190228_1651335.html

تعليق 1
  1. بشار جابر يقول

    كل الشكر لموقع الصين بعيون عربية لنشرها مقالي هذا وشكرا لتعاونهم المستمر

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.