قراءة في أبعاد ونتائج جولة وزير خارجية الصين إلى أفريقيا

0

 

 

موقع الصين بعيون عربية ـ
عادل علي*:

 

في يناير عام 1991، وفي خضم تغيرات عميقة كان العالم يموج بها مع نهاية حقبة الحرب الباردة، قام تشيان تشي تشن وزير خارجية الصين – آنذاك – بجولة أفريقية شملت أثيوبيا وأوغندا وكينيا وتنزانيا، دشنت تقليداً – مبتكراً – ليس في الدبلوماسية الصينية فحسب، وإنما أيضا في الدبلوماسية العالمية، مفادة “أفريقيا أولا”، يمنح الأولوية للقارة السمراء في تحركات السياسة الخارجية الصينية على ما عداها من مناطق وقارات العالم الأخرى، ويعكس مدى وفاء الصين لتطلعاتها الأصلية. وهو التقليد الذي سار عليه نظراؤه من بعده، طيلة العقود الثلاثة الماضية، بأن تكون أفريقيا المحطة الأولى لجولاتهم الخارجية مع بداية كل عام جديد.

فخلال الفترة من 7 إلى 13 يناير 2020، وسيراً على نهج هذا التقليد الدبلوماسي – العريق – قام عضو مجلس الدولة ووزير الخارجية الصيني وانغ يي، بجولة أفريقية – تقليدية – شملت مصر وجيبوتي وبوروندي وزيمبابوي، بما يعكس ليس فحسب الأهمية الكبيرة التي توليها الصين لتطوير علاقاتها مع أفريقيا، وإنما أيضا ما يعدّ دليلاً قوياً على الصداقة الراسخة والقوية بين الصين وأفريقيا.

هناك ثلاثة عوامل رئيسية تدفع من يتربع على قمة الدبلوماسية الصينية إلى البدء بأفريقيا كوجهة لزياراته الخارجية في مستهل كل عام خلال العقود الثلاثة الماضية، حددها وزير الخارجية وانغ يي – خلال حديثه في مؤتمر صحفي مع وزير الشؤون الخارجية والتجارة الدولية في زيمبابوي سيبوسيسو مويو في العاصمة هراري – أولاها: مشاعر الصداقة الخاصة التي ربطت الصين وأفريقيا جيلاً بعد جيل والتشارك في السراء والضراء، ثانيتها: الاحتياجات الواقعية لتعميق التعاون والتنمية المشتركة بين الصين وأفريقيا. ثالثتها: تعزيز التعاون الدولي وحماية المصالح المشتركة بين الصين وأفريقيا.

أهمية الجولة وأهدافها ودلالاتها:

ارتباطا بالأسباب سالفة الذكر، جاءت الأهمية الكبيرة لجولة وزير الخارجية الصيني إلى أفريقيا، لدوافع عدة، لعل من أبرزها: تزامن العام الجاري مع الذكرى العشرين لتأسيس منتدى التعاون الصيني – الأفريقي (فوكاك) الذي دُشن في عام 2000، ولعب – وما زال – دوراً مميزاً في تعزيز التعاون بين الصين وأفريقيا في مختلف المجالات. ومن هنا، تكمن أهمية الجولة في أنها هدفت إلى متابعة وتقييم تنفيذ نتائج خطة عمل بكين لمنتدى التعاون الصيني – الأفريقي (2019-2021) التي تبنتها قمة بكين 2018 لمنتدى التعاون الصيني – الأفريقي. بجانب تعزيز الاتصالات والمواءمة مع الجانب الأفريقي لتعزيز البناء المشترك للحزام والطريق، ودعم الصداقة التقليدية بين الصين وأفريقيا، والمضي قدماً بالعلاقات الثنائية والعلاقات الصينية – الأفريقية.

كذلك، مثلت الجولة مناسبة مهمة – أيضاً – لكي تعلن الصين على لسان وزير خارجيتها التزامها بالمبادئ الخالصة والنتائج الحقيقية التي طرحها الرئيس الصيني شي جين بينج سعياً وراء تعميق التواصل مع الجانب الأفريقي وتنفيذ التوافق المهم مع القادة الأفارقة ومتابعة نتائج القمة المشار إليها وتعزيز التعاون والصداقة التقليدية بين الصين والدول الأفريقية التي شملتها الجولة.

ولم تخلُ هذه الجولة من دلالات مهمة، إذ أكدت على ما تحظى به أفريقيا من أولوية ومكانة مهمة في السياسة الخارجية للصين، مقارنة بغيرها من مناطق وقارات العالم. كما أنها أكدت حرص الصين على المزاوجة في آليات تحركها إزاء القارة الأفريقية بين الآليتين الثنائية، من خلال اتصالاتها وتبادلاتها الثنائية مع دول القارة فرادى، والجماعية، عبر الإطار متعدد الأطراف ممثلاً في منتدى التعاون الصيني – الأفريقي.

قراءة في نتائج الجولة:

بصفة عامة، ومن خلال استقراء مضامين تصريحات قادة ووزاء خارجية الدول التي شملتها جولة وزير خارجية الصين، وكذلك تصريحات الأخير، يمكن القول إن الجولة نجحت في تحقيق أهدافها وتمخضت عن نتائج مهمة عدة. وهو ما يمكن التدليل عليه من مؤشرات وشواهد عدة، لعل من أبرزها:

أولا: اهتمام الدول الأفريقية التي شملتها الجولة – وعلى رأسها مصر – بالعمل على تعزيز التعاون الاقتصادي والاستثماري مع الصين، وتطلعها إلى المزيد من الخطوات بهذا الشأن: فقد أبدت مصر تطلعها إلى زيادة التدفقات السياحية الصينية إليها، فضلاً عن تشجيع الشركات الصينية على ضخ مزيد من استثماراتها في مصر، لا سيما في ظل ما تحظى به هذه الشركات من دعم من قبل الدولة المصرية. كذلك أبدت جيبوتي تطلعها إلى زيادة التعاون – متبادل النفع – مع الصين في الاقتصادين الأزرق والرقمي ومجالات أخرى، في إطار مبادرة الحزام والطريق ومنتدى التعاون الصيني – الأفريقي، وأكدت – أيضا – ترحيبها باستثمار المزيد من الشركات الصينية في جيبوتي. ورحب نائب رئيس زيمبابوي كونستانتينو تشيوينغا بقدوم مزيد من الشركات الصينية للاستثمار في بلاده.

ثانيا: إقرار الصين بأهمية علاقات الشراكة الاستراتيجية التي تجمعها بالدول التي شملتها الجولة، وحرصها الدائم على الارتقاء بهذه الشراكة إلى مستويات أعلى وتنويع أطر ومجالات التعاون المختلفة. لاسيما في ضوء ما يوليه قادة هذه الدول من أهمية كبيرة لعلاقات بلادهم مع الصين، وكذلك ما تمثله هذه الدول من أهمية استراتيجية كبرى بالنسبة للصين، سواء في إطار علاقاتها بمنطقة الشرق الأوسط – بالنسبة لمصر – أو في إطار علاقاتها بباقي مناطق القارة الأفريقية، بالنسبة لكل من جيبوتي وبوروندي وزيمبابوي.

وبالتالي، فقد كان من أبرز المكاسب التي حصدتها الدبلوماسية الصينية من الجولة، هو تجديد الدول الأفريقية التي شملتها الجولة تأييدها ودعمها للقضايا الجوهرية التي تهم الصين على الساحة الدولية، ومنها تأييد سياسة “صين – واحدة”. ومن التصريحات التي عبرت عن هذا المعنى تجديد نائب رئيس زيمبابوي كونستانتينو تشيوينغا التأكيد على التزام بلاده بحزم بسياسة “صين – واحدة”، وتأييدها للصين في جميع القضايا التي تمس مصالحها الجوهرية، ووقوفها إلى جانب الصين في الشئون الدولية.

ثالثاً: اهتمام الصين بالعمل على استتباب الأمن والاستقرار في الشرق الأوسط والقارة السمراء، وهو ما بدا واضحاً في سياق تطرق الوزير خلال زيارته إلى مصر إلى تطورات الأوضاع في منطقة الخليج، وتأكيد أهمية استمرار التنسيق المتبادل لاحتواء الأوضاع بالمنطقة وعدم التصعيد والحفاظ على أمن وسلامة الخليج، وتأكيد الوزير الصيني خلال زيارته لجيبوتي، اعتزام بلاده تعزيز التعاون مع جيبوتي في مجالات، من بينها مرافقة الأساطيل وحفظ السلام ومكافحة الإرهاب ومكافحة القرصنة، لتقديم إسهامات أعظم للسلام والأمن في أفريقيا، وتأكيده – أيضاً – على أن الصين تهتم بقلق بوروندي فيما يتعلق بمنطقة البحيرات الكبرى، وترغب في لعب دور بناء من أجل السلام والاستقرار بالمنطقة، ودعم وتأييد الصين للجهود التي تبذلها بوروندي لحماية سيادتها واستقلالها وكرامتها الوطنية، وكذلك حقوقها ومصالحها المشروعة.

رابعاً: توافق الرؤى والمواقف بين الدول الأفريقية التي زارها وزير الخارجية الصيني وبين بلاده بشأن أهم القضايا الدولية والإقليمية ذات الاهتمام المشترك بين الجانبين. إذ شهدت الجولة تبادلاً للرؤى حول تطورات الأوضاع في الشرق الأوسط، لاسيما في ظل التحديات التي تواجه المنطقة، وتوافقت الرؤى بين مصر والصين بشأن أهمية العمل على حفظ السلم والأمن والاستقرار في الشرق الأوسط، وكذلك بشأن تطورات الأوضاع في منطقة الخليج، فضلاً عن القضية الليبية. بالإضافة إلى تطورات الأحداث في المجال الإقليمي للدول الأفريقية الأخرى التي زارها وانغ يي.

خامساً: تأكيد وتعهد الدول الأفريقية التي شملتها الجولة بتطوير العلاقات الثنائية المشتركة في مختلف الأصعدة مع الصين، في إطار علاقات الشراكة الاستراتيجية التي تجمعها بالصين. ففي مصر، أكد الرئيس عبد الفتاح السيسي حرص مصر على تطوير التعاون الثنائي المشترك مع الصين على مختلف الأصعدة في إطار الشراكة الاستراتيجية الشاملة التي تجمع بين البلدين. وفي جيبوتي، تعهد وزيرا خارجية البلدين بدفع الشراكة الاستراتيجية الثنائية والنهوض بها إلى مستوى جديد. وفي زيمبابوي، أكد نائب الرئيس رغبة بلاده في اغتنام الذكرى الـ 40 لإقامة العلاقات الدبلوماسية مع الصين كفرصة لتحويل الثقة السياسية المتبادلة إلى تعاون عملي ورفع مستوى الشراكة التعاونية الاستراتيجية الشاملة بين البلدين.

سادساً: تأكيد الصين على مواصلة تقديم الدعم للتنمية الاقتصادية والاجتماعية بهذه الدول، وفقاً لظروفها الخاصة بها، حيث أكدت بكين حرصها على تنفيذ التعاون المتبادل المنفعة مع هذه الدول ضمن إطار العمل المشترك لبناء الحزام والطريق وتنفيذ المبادرات الرئيسية الثماني المقترحة في قمة بكين لمنتدى التعاون الصيني – الأفريقي. وأعلنت – أيضا – اعتزامها العمل مع جيبوتي لتمكين مشاريع مثل خط السكة الحديد جيبوتي – أديس أبابا وميناء دوراليه متعدد الأغراض، من تحقيق المزيد من التأثيرات الاقتصادية والاجتماعية.

وأكد رغبة الصين في تعزيز التعلم المتبادل حول الحوكمة ومواصلة تقديم المساعدة والدعم لبوروندي، لاسيما في مجال التعاون الزراعي. وأبدى – أيضا – دعم بلاده لزيمبابوي في تسريع وتيرة الإصلاح واستكشاف مسار التنمية بما يتفق مع ظروفها الوطنية، ورغبة الصين في مشاركة تجربتها في التنمية الاقتصادية والاجتماعية والحوكمة مع زيمبابوي.

وسبق هذه التصريحات والمواقف، تأكيد وزير الخارجية الصيني وانغ يي – خلال حضوره اجتماع وزراء خارجية مجموعة الـ 20 في ناجويا باليابان في 23/11/2019 – على تأييد الصين لمجموعة الـ 20 في دعم الجهود المبذولة لمساعدة أفريقيا على تخطي عقبات التنمية الثلاث، وهي: البنية التحتية السيئة، ونقص المواهب، ونقص الأموال، وحل المشكلات المعيشية المتمثلة في التوظيف والغذاء والملبس والصحة، حتى تستطيع أفريقيا الخروج من “فخ التخلف الإنمائي” – على حد وصفه – وتحقيق تنمية مستدامة لنفسها.

ثمار التعاون بين الصين وأفريقيا في إطار مبادرة الحزام والطريق:

تمثل مبادرة الحزام والطريق منذ إطلاقها في عام 2013، أحد أبرز القوى الدافعة للتعاون الصيني – الأفريقي، بإنضمام أكثر من 40 دولة أفريقية للمبادرة، التي تتاغم مع أجندة الأمم المتحدة 2030 للتنمية المستدامة وأجندة الاتحاد الأفريقي 2063 والاستراتيجيات التنموية للدول الأفريقية، بما يدعم ويعضد التنمية المشتركة بين الجانبين الصيني والأفريقي، خاصة وأن معظم الدول الأفريقية تسودها نظرة إيجابية – للغاية – إزاء الصين ومبادرة الحزام والطريق. إذ أظهر استطلاع أجرته مؤسسة (أفرو بارومتر) البحثية الأفريقية أن 63 في المائة من الأفارقة ينظرون إلى مساعي الصين التنموية في بلدانهم بشكل إيجابي. كما يعمل نموذج تطوير البنية التحتية في الصين في إطار مبادرة الحزام والطريق بكفاءة أكبر من أي نموذج اقتصادي آخر في أفريقيا.

أحد أهداف الجولة – كما سبقت الإشارة – تمثل في متابعة تنفيذ نتائج خطة العمل التي تبنتها قمة بكين لمنتدى التعاون الصيني – الأفريقي لعام 2018. ووفقاً لتصريحات سابقة للوزير الصيني، فقد تم تطبيق أكثر من نصف خطط العمل في إطار “المبادرات الثماني الكبرى” ودعم التمويل التي تم الإعلان عنها في القمة. كما حققت القمة – أيضا – طفرة جديدة في التعاون المشترك، كان من نتائجها زيارة 17 مسئول صيني لـ 25 دولة أفريقية ومقر الاتحاد الأفريقي في أديس أبابا، فضلاً عن التوقيع على اتفاقيات تعاون بين الصين و40 دولة أفريقية ومفوضية الاتحاد الأفريقي، وافتتاح معهد البحوث الصيني – الأفريقي ببكين في أبريل 2019.

وزاد حجم التبادل التجاري بين الصين وأفريقيا من 10.6 مليار دولار أمريكي في عام 2000 إلى 204.2 مليار دولار أمريكي في عام 2018، حيث تعد بكين أكبر شريك تجاري لدول القارة للعام العاشر على التوالي، فضلا عن إعداد قوائم 880 مشروع بما يتناسب مع الظروف الخاصة لكل بلد خلال السنوات الثلاثة المقبلة ممولة بقروض ميسرة من الصين.

وقامت الصين بضخ استثمارات في الأسواق الأفريقية تخطت حاجز الـ 110 مليارات دولار أمريكي، بخلاف الانتهاء من تقديم تمويل بقيمة 60 مليار دولار أمريكي خلال آخر ثلاثة سنوات، استهدف تنفيذ مشاريع البنية التحتية والقدرة الإنتاجية، بالإضافة لتقديم مساعدات إنسانية وطبية طارئة إلى موزمبيق وزيمبابوي وملاوي على سبيل المثال في أعقاب الأعاصير المدارية. كما ساعدت الصين أفريقيا في بناء أكثر من 10 آلاف كيلومتر من الطرق وأكثر من 6 آلاف كم من السكك الحديدية وعدد كبير من المكتبات والمدارس والمستشفيات والمنشآت المعيشية الأخرى في أنحاء القارة، ودعم التنمية المحلية بشكل كبير.

وفي الوقت الحاضر، تم تأسيس منطقة التجارة الحرة القارية الأفريقية التي تغطي أكثر من 1.2 مليار نسمة، وتمر أفريقيا بمرحلة حاسمة من التحول والتنمية. وقد حان الوقت لكي تمضي الصين وأفريقيا معا قدما بمبادرة الحزام والطريق.

في تعليق نشره الموقع الإلكتروني للقناة العربية لشبكة تليفزيون الصين الدولية، يقول “تسنغ أي بينغ” من أكاديمية الصين للدراسات الدولية: “يرتبط تعزيز مكانة أفريقيا الدولية ارتباطا وثيقا باهتمام الصين ومساهمتها في أفريقيا. إذا نظرنا إلى المستقبل، فإن الشراكة الاستراتيجية الشاملة بين الصين وأفريقيا وبناء مجتمع ذي مصير مشترك للصين وأفريقيا سيساعدان أفريقيا على التعامل بشكل أفضل مع التكيف والتطور العميق للوضع الدولي والمساعدة في تشكيل نظام دولي جديد أكثر عدلا وعقلانية.

ومن دون شك، فإن جولة وزير خارجية الصين وانغ يي إلى إفريقيا مع بداية هذا العام الخاص ستضخ حيوية جديدة في التعاون وتدفع العلاقات الصينية – الأفريقية إلى آفاق جديدة. كما أنها ستدفع في اتجاه تحقيق الأهداف السابقة، وبالتالي التقدم صوب تحقيق حلم بناء مجتمع صيني – أفريقي ذو مستقبل ومصير مشترك.

 

* إعلامي وباحث مصري في الشؤون الصينية

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.