الصين في العام الجديد 2026م
موقع الصين بعيون عربية –
أسامة مختار*:
كعادته في مطلع كل عام، يلقي الرئيس الصيني شي جين بينغ خطابا يوجّه فيه كلماته إلى الأمة الصينية والعالم، حاملاً رسائل مهمة مفعمة بالانجازات والخطط والمبادرات والأمل واستشراف المستقبل.
ومع بداية هذا العام 2026 ميلادي، تقف الصين على عتبة مرحلة جديدة من مسيرتها التنموية، بعد أن أنهت الخطة الخمسية الرابعة عشرة، وراكمت خلالها إنجازات لافتة، جعلت منها إحدى أكثر الدول حضورا وتأثيرا في المشهد الدولي، وبين عالم يشهد اضطرابات اقتصادية وسياسية متشابكة، تبعث الصين برسالة واضحة مفادها أن التطور والازدهار والثقة والاستقرار ليس أمنية بعيدة، بل ثمرة تخطيط طويل الأمد وعمل متواصل.

لقد كان عام 2025 عامًا مفصليا في التجربة الصينية، إذ توّج خمس سنوات من الجهد والإصلاح، ونجحت البلاد خلاله في تعزيز قوتها الاقتصادية والعلمية والتكنولوجية، وتحسين معيشة شعبها، رغم الضغوط الخارجية وتباطؤ الاقتصاد العالمي. فقد بلغ حجم الاقتصاد الصيني نحو 140 تريليون يوان، محافظا على مكانته بين أكبر اقتصادات العالم، ومؤكدا دوره كمحرّك رئيسي لنمو الاقتصاد العالمي.
وفي قلب هذه المسيرة، يبرز الابتكار بوصفه المحرّك الأساسي للتنمية. فمن الذكاء الاصطناعي ونماذجه المتسارعة، إلى التقدّم في تصنيع الرقائق، واستكشاف الفضاء، وتطوير الطاقة النظيفة، وصولًا إلى الروبوتات الشبيهة بالإنسان وعروض الطائرات المسيّرة، تبدو الصين وكأنَّها تُعِيد رسم خريطة المستقبل التكنولوجي. وقد انعكس ذلك في دخولها لأول مرة قائمة أفضل عشر دول في مؤشر الابتكار العالمي، في إشارة إلى تحوّل نوعي من (النمو السريع) إلى (النمو الذكي).

ولم تكن التنمية في الصين محصورة في الأرقام والمؤشرات الاقتصادية، بل اتخذت بعدا ثقافيا وإنسانيا واضحا. فقد شهدت الثقافة الصينية في السنوات الأخيرة حالة من التوهج، عبر تمازج متناغم بين الأصالة والحداثة، وعودة واسعة للاهتمام بالتراث والآثار، وانتعاش السياحة الثقافية والرياضية. وأصبحت الرموز الثقافية الصينية أكثر حضورا عالميا، بما عزز الثقة بالهوية الحضارية، وأكدَّ أن النهضة الحقيقية لا تكتمل دون جذور ثقافية راسخة.
وفي صميم هذه التحولات، ظل الإنسان محور السياسات العامة. فقد وسّعت الحكومة الصينية مظلة الرعاية الاجتماعية، وعزّزت حقوق العاملين في المهن الجديدة، وطوّرت خدمات رعاية كبار السن، وقدّمت دعما مباشرا للأسر التي تُربِي أطفالا. وهي سياسات أسهمت في ترسيخ شعور متنامٍ بالأمن والسعادة لدى ملايين الأسر، وجسّدت مقولة الرئيس شي جين بينغ: (عندما تكون كل أسرة دافئة ومزدهرة، يزدهر الوطن كلُّه).
وعلى الساحة الدولية، تدخل الصين عام 2026 وهي تؤكد دورها كقوة مسؤولة في عالم مضطرب. ففي ظل تصاعد النزاعات الإقليمية وتزايد التحديات الجيوسياسية، دعت بكين إلى الحوار والتهدئة، وأسهمت في تعزيز الاستقرار، وطرحت مبادرات تهدف إلى بناء منظومة حوكمة عالمية أكثر عدلا وإنصافا. كما واصلت التزامها بمواجهة التحديات العالمية، وفي مقدمتها تغيّر المناخ والتنمية المستدامة.
وتستمد هذه الثقة الدولية كذلك من انفتاح الصين ورفضها للنزعات الانعزالية. فبدل الدعوة إلى قطع السلاسل، تطرح الصين مفهوم تمديدها، عبر توسيع الانفتاح رفيع المستوى، كما تجلّى في إطلاق التشغيل الجمركي الشامل لميناء هاينان للتجارة الحرة. وقد اعتبرت أوساط اقتصادية دولية هذه الخطوة منصة أكثر استقرارًا للتعاون في زمن تتزايد فيه الشكوك والقيود.
ويمثل عام 2026 بداية الخطة الخمسية الخامسة عشرة، وهي مرحلة تراهن فيها الصين على التنمية عالية الجودة، وتعميق الإصلاح والانفتاح، وتحقيق الرخاء المشترك. ومع دخول البلاد عام الحصان وفق التقويم القمري، رمز النشاط والمثابرة، تبدو الصين ماضية بثقة نحو المستقبل.
إنها صين تجمع بين التخطيط الهادئ والطموح الواسع، وبين الهوية والانفتاح، وبين التنمية والاستقرار. وفي عالم يبحث عن اليقين وسط التحوّلات، تواصل الصين بثّ رسائل اليقين والاستقرار، ليس لشعبها فحسب، بل للعالم بأسره.
* أسامة مختار – خبير بمجموعة الصين للإعلام