موقع متخصص بالشؤون الصينية

الحفاظ على سلطة الأمم المتحدة وتعزيز السلام والتنمية في العالم

0

موقع الصين بعيون عربية –
الدكتور تشين جيه، عميد معهد الدراسات الإقليمية والدولية، جامعة صن يات-سين
ما تينغ، باحثة في مركز الدراسات الشرق الأوسطية، جامعة صن يات-سين
يقف العالم عند مفترق طرق، فبينما توطد العولمة الروابط، تقوض النزاعات الجيوسياسية والأحادية نظام الحوكمة العالمي، مما أدى لتآكل سلطة الأمم المتحدة وانتعاش “قانون الغاب”. إن انتهاك بعض القوى للهيمنة وتجاوز الميثاق الدولي يتسبب في كوارث إقليمية تهدد الاستقرار. لذا، فإن الحفاظ على سلطة الأمم المتحدة والتمسك بالمعايير الدولية ليس مجرد مصلحة مشتركة للعالم، بل هو خيار مصيري لضمان مستقبل السلام والتنمية للبشرية جمعاء.

الدكتور تشين جيه

أولاً: جوهر سلطة الأمم المتحدة والمعايير الدولية وقانون الغاب
تعتمد فعالية الحوكمة العالمية على أساس راسخ من سيادة القانون الدولي المعترف به. من خلال استعراض مقاصد ومبادئ ميثاق الأمم المتحدة، يمكننا أن نميز بوضوح بين الجوهرين المختلفين للتعددية وقانون الغاب، وشرح الإسهام النظري للمفاهيم الصينية.
يستمد الأمم المتحدة شرعيتها من ميثاقها القائم على المساواة في السيادة والأمن الجماعي. إن قوة هذه السلطة أو ضعفها تحدد بشكل مباشر مدى فعالية تنفيذ القواعد الدولية. يمثل مفهوم “مجتمع المصير المشترك للبشرية” الذي تتبناه الصين، تطوراً لهذا الميثاق. حيث يرسخ ديمقراطية العلاقات الدولية وسيادة القانون، متجاوزاً النزعات الضيقة للدول.
في المقابل، ينطلق “قانون الغاب” من واقعية غربية تعتبر القوة هي المعيار الوحيد في “لعبة صفرية”، حيث يساوي بين “البقاء للأصلح” والنظام الدولي. هذا المنطق ينطوي على مغالطات جوهرية، فيتجاهل المصالح المشتركة للبشرية، ويؤجج الصراعات والحروب. إن قيام بعض الدول بتغليف هذا المنطق بغطاء “النظام الدولي” وممارسة المعايير المزدوجة، يجعله مصدراً رئيسياً للاضطرابات العالمية.
في الجهود العالمية للحفاظ على سلطة الأمم المتحدة، تقف الصين كمدافع صلب عن الأمم المتحدة، حيث يتطابق مفهومها للحوكمة القائم على “التشاور والتشارك في البناء والتقاسم” مع الروح الديمقراطية للميثاق. إن العلاقات الدولية الجديدة التي تدفع الصين نحو بنائها، تؤكد على مساواة جميع الدول بغض النظر عن حجمها، وتعارض التنمر على الصغار.

ما تينغ

ثانياً: أضرار قانون الغاب وقيمة التعددية
من خلال تحليل جذور الاضطرابات في الشرق الأوسط ومعضلات الحوكمة العالمية الواقعية، يمكن رؤية الطبيعة التدميرية لقانون الغاب بشكل مباشر، وفي الوقت نفسه تتجلى القيمة التي لا يمكن الاستغناء عنها لآلية الأمم المتحدة متعددة الأطراف.
تتجلى خطورة “قانون الغاب” والقيمة المصيرية للأمم المتحدة بوضوح في أزمات الشرق الأوسط، لا سيما القضية الفلسطينية. إن الأمم المتحدة هي قوة لا يمكن الاستغناء عنها في التوسط في الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، وهي مرتكز حيادي رئيسي لحماية المدنيين في المنطقة ودفع الحل السياسي. ومع ذلك، داست سلطتها مراراً وتكراراً. تقوم بعض الدول بالانحياز طويل الأمد لطرف واحد، وتعرقل قرارات وقف إطلاق النار، واضعة إرادتها فوق القانون الدولي. هذا هو تجسيد نموذجي لقانون الغاب في الشرق الأوسط. إن الواقع المأساوي في غزة هو نتيجة مباشرة لهذا المنطق الذي ينتهك السيادة ويهدر كرامة الإنسان.
يمتد ظل قانون الغاب ليعيث فساداً في نظام الحوكمة على مستوى العالم. في السنوات الأخيرة، قامت بعض الدول بتبني سياسات أحادية الجانب و”الأولوية لبلدي”، وانسحبت بشكل متكرر من المنظمات الدولية والمعاهدات متعددة الأطراف. حيث يؤدي إلى تشرذم نظام الحوكمة العالمية عند مواجهة تحديات مثل تغير المناخ والأمن الصحي العام. تثبت هذه الأزمة النظامية أن المجتمع البشري لا يمكنه مواجهة التحديات المشتركة بفعالية إلا بالعودة إلى التعددية والتمسك بالنظام الدولي الذي تقوده الأمم المتحدة.

ثالثاً: الحفاظ على سلطة الأمم المتحدة وتبني التعددية
تلتزم الصين التزاماً راسخاً بالحفاظ على سلطة الأمم المتحدة والمعايير الدولية كبديل شرعي لـ “قانون الغاب”. وتنطلق هذه الرؤية من قناعة صينية بضرورة تعزيز مكانة المنظمة الدولية كلما زادت الاضطرابات العالمية، باعتبارها الساحة الأساسية للتعددية ورفض الهيمنة.
إن مبادرة الأمن العالمي التي طرحتها الصين تزيد من إثراء محتوى الحفاظ على سلطة الأمم المتحدة. تحدد وثيقة مفهوم هذه المبادرة بوضوح أن “الالتزام بميثاق الأمم المتحدة” هو الأساس الذي يجب اتباعه. لا تكتفي الصين بالدعوة إلى هذه المفاهيم فحسب، بل تمارسها على أرض الواقع، تعد الصين ثاني أكبر دولة مساهمة في ميزانية حفظ السلام وأكبر دولة مساهمة بأفراد في عمليات حفظ السلام.
تدفع الصين بنشاط لإصلاح نظام الحوكمة العالمية، وتدعو إلى زيادة صوت وتمثيل الدول النامية في الأمم المتحدة. وتطرح مبادرات مثل “الحزام والطريق” و”مبادرة الحوكمة العالمية” لتقديم سلع عامة تخدم “مجتمع المصير المشترك للبشرية”. ومن خلال هذه الحلول، تسعى الصين لبناء نظام دولي أكثر عدالة وإنصافاً، يرتكز على الحكمة المشتركة بعيداً عن سياسات القوة.

رابعاً: بناء السلام معاً ونبذ الغاب
يواجه المجتمع الدولي ضرورة ملحة لبناء توافق شامل يدافع عن النظام الدولي المرتكز على الأمم المتحدة والقانون الدولي. يتطلب ذلك التزاماً جماعياً بمقاصد الميثاق، وإصلاحاً عادلاً للمنظومة الدولية يعزز صوت الدول النامية، مع التمسك الصارم بمبادئ المساواة في السيادة وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، ورفض الأحادية و”الولاية القضائية بعيدة المدى”.
يجب استبدال عقلية “البقاء للأصلح” بوعي “مجتمع المصير المشترك للبشرية”، وتجاوز الصراعات الصفرية نحو شراكات قائمة على الاحترام المتبادل والربح المشترك، خاصة من قبل الدول الكبرى. يجب على جميع الدول، أن تقوم بدور نشط، وتمارس التعددية بأفعال عملية، وتعمل معاً لدفع بناء مجتمع المصير المشترك للبشرية.
ستواصل الصين دورها كباني للسلام وحامٍ للنظام الدولي، من خلال دعم عمليات حفظ السلام، وستدفع تنمية عالية الجودة لمبادرة “الحزام والطريق”، وستعمل بمبادرات الأمن العالمي والحوكمة العالمية. كما ستواصل التمسك بالتوجه نحو الحل السياسي في مناطق التوتر مثل الشرق الأوسط، مساهمةً باستمرار بالحكمة الصينية في السلام والاستقرار العالميين.

خاتمة
إن الحفاظ على سلطة الأمم المتحدة، والتمسك بالمعايير الدولية، ومعارضة قانون الغاب، هي مهمة مشتركة للبشرية جمعاء. لقد أثبت التاريخ والواقع أن التعددية تجلب السلام والتنمية، والأحادية وقانون الغاب لا يؤديان إلا إلى الصراع والاضطراب. يجب على المجتمع الدولي أن يتكاتف للدفاع عن ميثاق الأمم المتحدة، والحفاظ على النظام الدولي القائم على القانون الدولي، والعمل معاً لدفع بناء مجتمع المصير المشترك للبشرية. ستواصل الصين ممارسة التعددية، وهي على استعداد للعمل مع جميع دول العالم، لتقاسم مسؤولية السلام والتنمية، وإبداع مستقبل أفضل للبشرية.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.