سبعون عاما من التكاتف الصيني العربي، وعقد ذهبي من الشراكة المربحة بين الصين والمغرب
موقع الصين بعيون عربية –
تشين يو هانغ –
باحث في مركز الدراسات الشرق الأوسطية، جامعة صن يات-سين:
يمثل عام 2026 علامة فارقة ومضيئة في نهر الزمن الطويل. يصادف هذا العام الذكرى السبعين لبدء العلاقات الدبلوماسية بين جمهورية الصين الشعبية والدول العربية، والذكرى العاشرة لإقامة الشراكة الاستراتيجية بين الصين والمغرب، كما ستعقد القمة العربية الصينية الثانية خلال هذا العام. ومن هذا المنطلق التاريخي الذي يربط الماضي بالمستقبل، وإذا ما استرجعنا صدى أجراس الإبل على طريق الحرير القديم، وتأملنا اليوم في القطارات الفائقة السرعة والمدن التكنولوجية الخضراء الصاعدة، نجد أن الشعبين الصيني والعربي يتواصلان بقلب واحد عبر الجبال والبحار، ويرسمان معا لوحة رائعة من المصير المشترك والمنفعة المتبادلة.
- سبعة عقود من التكاتف: مصير صيني عربي مشترك ونموذج رائد للتعاون بين بلدان الجنوب
تضرب الصداقة الصينية العربية بجذورها العميقة في تبادلات طريق الحرير التي تعود إلى آلاف السنين، وتزداد رسوخا مع مرور الزمن. في عام 1956، أصبحت مصر أول دولة عربية تقيم علاقات دبلوماسية مع جمهورية الصين الشعبية، مما رفع الستار رسميا عن العلاقات الدبلوماسية الحديثة بين الصين والدول العربية. وعلى مدار سبعين عاما، وبغض النظر عن التغيرات في الساحة الدولية، ظل الجانبان الصيني والعربي أخوين يتبادلان الثقة وشريكين في التنمية المشتركة. لقد حققت العلاقات الصينية العربية قفزات تاريخية وتركت العديد من البصمات المضيئة.
أولا، التحسين المستمر لآليات التعاون الثنائي. في عام 2004، تأسس “منتدى التعاون الصيني العربي” رسميا، ليشكل منصة صلبة للحوار الجماعي والتعاون في شتى المجالات السياسية والاقتصادية والثقافية. وفي أواخر عام 2022، عقدت القمة العربية الصينية الأولى في العاصمة السعودية الرياض، لترتقي بالعلاقات الصينية العربية إلى آفاق جديدة، حيث اتفق الجانبان على بذل جهود شاملة لبناء مجتمع صيني عربي ذي مصير مشترك.
ثانيا، الدعم الثابت للقضايا المتعلقة بالمصالح الجوهرية. تدعم الصين دائما وبكل حزم الدول العربية في حماية سيادتها الوطنية وسلامة أراضيها، كما تدعم القضية العادلة للشعب الفلسطيني لاستعادة حقوقه الوطنية المشروعة. وفي المقابل، قدمت الدول العربية دعما حازما وقيما للصين في القضايا المتعلقة بمصالحها الجوهرية.
ثالثا، تتواءم مبادرة “الحزام والطريق” بشكل عميق مع الرؤى التنموية للدول العربية، ويشهد حجم التبادل التجاري بين الجانبين نموا متواصلا عاما بعد عام. وقد أثمر التعاون في مجالات الطاقة، والبنية التحتية، والفضاء، والاقتصاد الرقمي عن نتائج ملحوظة، مما يجسد بوضوح المعنى الحقيقي لنموذج “التعاون بين بلدان الجنوب”.
- عقد ذهبي من الكسب المشترك: توجيه استراتيجي صيني مغربي يسطر فصلا جديدا من التعاون المتبادل المنفعة
باعتباره حلقة وصل تربط بين البحر الأبيض المتوسط والمحيط الأطلسي، وبين أوروبا وأفريقيا، يحظى المغرب بمكانة بالغة الأهمية في العالم العربي والقارة الأفريقية. في مايو من عام 2016، أجرى العاهل المغربي الملك محمد السادس زيارة إلى الصين، حيث قرر رئيسا البلدين بشكل مشترك إقامة شراكة استراتيجية بين الصين والمغرب. وتعد هذه السنوات العشر “عقدا ذهبيا” شهدت فيه العلاقات الثنائية تطورا متسارعا وحقق التعاون العملي قفزات نوعية في العديد من المجالات.
وبصفته أول دولة في شمال أفريقيا توقع مع الصين خطة تعاون لبناء “الحزام والطريق”، دمج المغرب ميزته الجيوسياسية مع القدرات الإنتاجية المتقدمة للصين، وشرع في العديد من مشاريع التعاون العملي معها. وتعد “مدينة محمد السادس طنجة تيك” التي تم بناؤها بشكل مشترك بمثابة بطاقة تعريف مشرقة للتعاون الاقتصادي والتجاري بين الصين والمغرب، بل وبين الصين وأفريقيا أيضا، حيث استقطبت عددا كبيرا من شركات التكنولوجيا الفائقة.
في السنوات الأخيرة، توثق التعاون الصيني المغربي في مجال سيارات الطاقة الجديدة وتصنيع البطاريات. وقد توجهت العديد من الشركات الصينية الرائدة للاستثمار وإقامة مصانع في المغرب، مما لم يساهم فقط في خلق عشرات الآلاف من فرص العمل المحلية، بل ساعد أيضا في دمج المغرب بعمق في سلاسل التوريد الخضراء العالمية.
على صعيد التبادلات الإنسانية والثقافية، ومنذ تطبيق المغرب لسياسة الإعفاء من التأشيرة للمواطنين الصينيين في عام 2016، زادت حركة تنقل الأفراد بين البلدين بشكل ملحوظ، وتعمق التعاون في مجالات الثقافة والسياحة والتعليم، مما أرسى أساسا مجتمعيا متينا للتطور المستقر والمستدام للعلاقات الصينية المغربية.
- تطلعات المستقبل: إبحار نحو غد أكثر ازدهارا وإشراقا
في الوقت الراهن، تمضي الصين بخطوات ثابتة نحو تحقيق “التحديث النمط الصيني” عبر مسار تنموي عالي الجودة، بينما تستكشف الدول العربية بنشاط مسارات تنموية متنوعة، تتوافق الرؤى التنموية للصين تماما مع رؤى الدول العربية بما فيها المغرب، مما يجعل إمكانات التعاون بين الجانبين غير محدودة.
نتطلع معا إلى المستقبل بآمال مشتركة: أولا، تعميق الثقة السياسية المتبادلة. يجب الاستمرار في الدفاع عن المصالح المشتركة للدول النامية على الساحة الدولية، والدعوة إلى تعددية قطبية عالمية متساوية ومنظمة، وعولمة اقتصادية شاملة ومفيدة للجميع، وحماية العدالة والإنصاف الدوليين.
ثانيا، توسيع مجالات التعاون. يجب توطيد التعاون التقليدي في مجالات الطاقة والبنية التحتية، وتسريع التوسع نحو مجالات التقنية العالية مثل الذكاء الاصطناعي، والبيانات الضخمة، والطب الحيوي، والزراعة الحديثة.
ثالثا، ترسيخ أواصر الصداقة الشعبية. يجب تشجيع تبادل الزيارات بين المزيد من الشباب الأكاديميين، والعلماء، والإعلاميين، والعاملين في المجال الثقافي، لضمان انتقال راية الصداقة الصينية العربية والصينية المغربية من جيل إلى جيل.