موقع متخصص بالشؤون الصينية

المرأة والأدب (خاص موقع الصين بعيون عربية)

0

 

أ.د. تشانغ هونغيي (الأستاذة زاهرة)
ندوة الحوار الحضاري لمنتدى التعاون الصيني العربي – الرياض
ديسمبر عام2007
(الدراسة تنشر لأول مرة حصرياً عبر موقع الصين بعيون عربية)

منذ ثمانيات القرن الماضي، برز من بين الأدب العربي المعاصر أدب المرأة السعودية، وفيه ظاهرة ملحوظة تلفت الأنظار، وهي تجارب تتركز على عدة عناوين كبرى ذات علاقة بصورة المرأة في التقاليد والأعراف والصدام بين الجنسين والسيطرة الذكورية وغيرها، كما بات من الواضح تأثر الكاتبات بقضايا الوطن وتمكنهن من التعبير عن الموقف الالتزامي من شتى القضايا الاجتماعية والتنموية عبر تجارب وصور فنية ناضجة وواعية ولغة شفافة وصادقة. على حين أن أدب النساء الصيني هو الآخر دخل مرحلة تحول جديدة منذ الثمانيات، إذ كان يعنى بالمسائل الاجتماعية مثل أدب الرجال فبدأ يعنى بالمرأة ذاتها، يعنى بما تتميز به من نوع جنسي وموقف أنثوي، لكأن  هذا الأدب وجد عالماً جديداً لم تطأه قدماه من قبل.
فقد عرفنا من الشبكة – لقلة المطبوعات العربية المعنية  – أن الرواية النسائية السعودية تأخرت عن رواية الرجل ثلاثة وثلاثين عاما. فإذا أهملنا ما كتب قبل ذلك بأيدي السعوديات المقيمات خارج البلد، ربما يجوز أن نقول إن القلم النسائي لم يبدأ رسميا إلا بـهدى الرشيد كاتبة «غدا سيكون الخميس»، حيث تناقش معاناة المثقفة حين تصطدم بسياج العادات والتقاليد الاجتماعية.
وفيما يخص وضع الكتابة الروائية النسائية خلال الستينات والسبعينات، فهي توصف بالشحيحة، مقارنة بما كان يُصْدره الرجل، بالإضافة إلى أن مستوى الروايات متواضع. أما في الثمانينات فقد طرأت بعض التحولات، شأنها شأن الطفرة الاقتصادية للثروة البترولية ما بين 1974 و1982، فبرز جيل متعلم مثقف بعضه درس في الخارج وتمكن من الاطلاع على الأدب الأجنبي، مما ساعد على ظهور نقلة فنية، وبروز الوعي بالهوية السعودية في أعمال عدد من الأديبات، حيث تدور الأحداث في أرض السعودية  وتعكس مشاعر المرأة النفسية. وعندما أتينا الى مرحلة التسعينات، وخاصة بعد حرب الخليج، وقعت في أسماعنا أسماء الأديبات السعوديات أمثال رجاء عالم، فاطمة بنت السراة، قمّاشة العَلْيَان وليلى الجَهْنِي، والأعمال الأدبية كما وصفها بعض النقاد “نزل فيها مطر الرواية النسائية غزيرا، وبلغ الإنتاج كثيرا”. وكانت حرب الخليج قد أثرت في الأدب تأثيراً، فأحدثت تحولاً في الوعي لدى الكاتبات، ورغبة عارمة في فحص الكثير من المسلّمات ، وهو ما يظهر بقوة في الروايات.
ومع بداية الألفية الجديدة وصل الإنتاج الروائي السعودي إلى مائتين وست روايات، وبلغ العام الماضي (2006) ذروته حيث صدرت اثنتان وخمسون رواية، ولأول مرة يحدث أن تقف الرواية النسائية في مواجهة مع الرواية التي يكتبها الرجل بل قد سجلت رقماً قياسياً لما نشر من نفس الأدب في سائر الدول العربية. لذلك إذا كانت أنظار الباحثين الصينيين تتوجه إلى الأدب في مصر ولبنان وسوريا والمغرب فقد تحولت وبدأت تنظر محدقة في أدب الخليج والسعودية خاصة أدب الأديبات السعوديات.
يعد التطور الأدبي رمزاً من رموز التقدم الاجتماعي، والكتابة النسائية سمة من سمات الحضارة البشرية. لا ريب أن في تاريخ الصين وبلاد العرب عدداً لا يحصى من الأديبات اللواتي ساهمن في الإبداع الأدبي، غير أن الوعي الذاتي بالقضية قد تأخر إلى ثمانيات القرن الماضي حيث ظهرت فكرة الحقوق النسائية التي شكلت تيارا جارفا اجتاح الغرب ثم دخل الصين والدول العربية. في الحقيقة لا داعي لأن نقسم الأدب  تقسيماً جنسياً فهذا التقسيم ليس له أي معنى  في رأيي، فإن دل الأمر على شيء فقد يدل على أن التقدم الاجتماعي والتقدم الأدبي أعطيا النساء تبجيلا واحتراما يعد تعبيراً أدبياً عن الحضارة الحديثة.
فقد أنجبت الصين أديبات كثيرات في تاريخها، لكن أعمالهن لم تتصف بأي صفة من صفات الأدب النسائي، سواء في الأغراض أو الأحداث أو الأساليب، ولم تكن تختلف عن الأدب الرجالي أي اختلاف إلا أن الكاتب هو من النساء. لذا يرى النقاد عموما أن طرح قضية الرجل والمرأة أمر يرتبط ارتباطاً وثيقاً بمستوى التنمية الاقتصادية والمعيشة البشرية. وإذا لم يكن للإنسان حق الوجود وضمان الحياة فهيهات أن يكون أدب النساء.
بدأ أدب المرأة الصيني منذ ثمانيات القرن الماضي، حيث تحرر فكر الصينيين مع اتباع الدولة سياسة الإصلاح والانفتاح على الخارج، وبدأ الناس ينظرون في ما دخل من الموجات الفكرية الجديدة، منها نظرية الحقوق النسائية. فاستيقظ وعي الأديبات الصينيات بأنفسهن، وأبدعن بالتالي أعمالا أديبة ذات مغزى وفكر عميقين، وأعطين في أدبهن نماذج نساء مختلفة، وتركن قوس قزح رائعا بهيا على أفق الأدب الصيني.
هنا أحاول أن أوجز ما تتناوله هذه الأعمال من موضوعات:
أولا : مواجهة الزوج الذي أحب امرأة غير زوجته:
ففي الرواية التي صارت فيلماً بعنوان ((حسرة)) الذي نال خمسة جوائز في المهرجان السينمائي بالقاهرة كشف لنا حياة الصينيين العاطفية، وتناول مشكلة شديدة الحساسية هي المشكلة بين الزوجين. ذكر أن زوجاً كهلاً أحب فتاة شابة جميلة ولا بد له من أن يختار بين امرأتين. والرجل الذي تزوج منذ سنوات طويلة يشعر أن نصفه الآخر كيديه اليمنى واليسرى، فلا يشعر به أي شعور. لكن عندما عزم أن يقطعه، شعر أن الألم قد مزقه تمزيقا. قلبه يعذبه، وضميره يؤنبه، فلا يستطيع أن يتخذ قراره النهائي. وهكذا بدأت حرب طويلة الأمد، وفي النهاية مرضت زوجته، ودخلت المستشفى، وشعر الرجل بالندم الشديد، فأسرع الى المستشفى لرعايتها. ولكن عندما ترك المستشفى سرعان ما عاد الى البيت الذي أقامه لحبيبته الشابة، وجد أن الحبيبة قد ذهبت. ختاما ركع الرجل على الأرض نادما متأسفا متألما، وهكذا ترك الفيلم للمتفرجين حسرة طويلة.
ورواية ((المرأة المزعومة)) صورت امرأة عملية، و”هي دكتورة جرّاحة، مستقيمة الخلق، جميلة الشكل، مخلصة للعمل”. بداية القصة اقتحمت إحدى الكازينوهات التي تضج صياحا وضوضاء للبحث عن زوجها، وهي” تلبس بدلة عمل غامقة اللون”. فقد تركها زوجها منذ شهرين، وأحب فتاة شابة جميلة في نفس الشركة التي يعمل فيها وعزم على أن يطلق زوجته التي عاشت معه سنوات طويلة وفقدت القدرة على الإنجاب نتيجة إهماله هو. حاولت المرأة أن ترجع الزوج، فذهبت الى الشركة التي يعمل فيها، والى بيت والديه، وحتى الى جهة الأمن الداخلي، لكن هذه الأعمال لم تستطع أن تعيد العلاقة الزوجية، بل صبت الزيت على النار. كانت تظن أنها امرأة عمل ناجحة لكن بدأت تفكر فيما حدث بينها وبين زوجها، وفهمت أنها امرأة أولا وأخيرا وعليها أن تجعل الأسرة الزوجية في عينيها و على رأسها.
ثانيا: الخروج من البيت:
من المعروف أن المسرحي النرويجي هنريك إبسن كتب مسرحيته المشهورة بـ ((بيت الدمية)) التي قوبلت بعاصفة رعدية من هجوم المحافظين آنذاك، إذ جعل “نورا” الزوجة اللطيفة القليلة الثقافة والخبرة تهجر بيت الأسرة الزوجية وتتخلى عن أطفالها الثلاثة احتجاجاً على وضعيتها المُهِينَة المتسمة بالتبعية لزوجها المثقف الذي اكتشفت أنه لا يكن لها احتراماً حقيقياً ولا يؤمن بحقها الكامل فى أن تفكر أو تتخذ أي قرار، وإنما يعاملها كدمية جميلة فقط. وكانت المسرحية قد أثّرت على أجيال من النساء الشرقيات وعلى تفكيرهن في قضية الأسرة والمجتمع واختيارهن لنمط الحياة. صحيح لقد هجر عدد أكثر فأكثر من النساء بيوتهن، وألقين بأنفسهن في المجتمع واستطعن تحقيق مطامحهن، لكن في الوقت نفسه، هناك عدد غير قليل من النساء لا يزلن يواجهن التناقضات بينهما  مترددات أو متحسرات.
رواية (( المطبخ)) الصينية رسمت امرأة ناجحة في عملها، كارهة أعمال المنزل فقد اكتفت بما عانت من روائح المطبخ، وترى أن العمل المطبخي فاتر رتيب يبعث الملل والكلل وقد أطفأ نور ذكائها الحاد، وضيّع مواهبها الفطرية وكفاءتها الفائقة، فهجرت البيت كنورا _ بطلة مسرحية بيت الدمية. أخيرا ظفرت بنجاح كبير في عملها، لكنها بدأت تتذكر مطبخها الذي ملؤه الهدوء والدفء، وتمنت لو جلس أمامها طاعم أو طاعمان، طبعا هما الزوج والولد اللذان يلتهمان ما طبخ غير مبالين باللعاب الذي يسيل دون أن يرفعا رأسيهما يمدحان مهارتها، حينئذ لشعرت بسعادة كبيرة. فدبت في نفسها رغبة في بناء بيت جديد،  أحبت فنانا فبذلت نقودا دعما لإقامة معرض له، كما أعدت له سفرة من الأطعمة الشهية بمناسبة عيد ميلاده متلهفة أن يكون لها حباً محضاً وزوجاً يعتمد عليه. بيد أن الرجل وقف موقفا مغايرا تماما يقول: “من يريد أن يقيد نفسه بشيء ويحمل نفسه ثقلا في هذا العصر الذي يلهث  فيه أي واحد وراء المصلحة والمنفعة؟ خصوصا الفنان، لن يرتبط بأي لجام أو عنان أبداً، سواء أجاء من المسؤولية العائلية أم من الواجبات الاجتماعية. والإنسان الذكي يهرب من هذا ما استطاع ويبعد عنه ما استطاع.” وهكذا لم تجد بطلتنا ما ترغب فيه من النتيجة.
نجاح العمل وسعادة الأسرة هدفان منشودان يرمي إليهما أي إنسان، لكن المرأة من الصعب جدا أن توازن بين الاثنين، فلماذا نجاح المرأة دائما يقابله فشل الحياة الزوجية، ولماذا مضى على تحقيق المساواة بين الجنسين أكثر من خمسين عاما ولا زالت المرأة الصينية تتعرض للديكتاتورية الذكورية؟ وكيف توازن المرأة بين الأسرة والمجتمع؟ كل هذه المسائل تدعو الأديبات الصينيات الى أن يتحرين حقيقتها ويستقصين غايتها.
ثالثا: التوبة بعد الانحراف والضياع:
بعد أن انفتحت الصين على العالم، بدأت المرأة الصينية تعتني بنفسها وبما تفتقر إليه من إشباع عاطفي وملذات جسدية، مما أوجد كثيرا من المشاكل العاطفية. لذا أصبح تغلب المرأة على نفسها موضوعاً أساسياً يعترض طريق تحررها النهائي.
رواية ((أحب بير)) تصف لنا امرأة،  وبير محبوبها شاب أمريكي موظف في القنصلية. هذه المرأة هي عاهرة لكنها تختلف عن اللواتي عرفنَ ممّن كتبتْ عنهنّ الجرائد والمجلات والكتب أو من رأينا في الحياة الواقعية، إنها طالبة تدرس الفن في إحدى الجامعات الكبيرة، كان من الطبيعي أن تذهب مذهب الجامعيات الأخريات، تتخرج فتوظف وظيفة مرموقة، لكنها صادفت بير الرجل الذي يحمل الجنسية الأمريكية ويعمل موظفاً في القنصلية، فبدأت معه مسيرة حب. وخلال المسيرة فقدت نفسها. بعد ذلك، غادر الأمريكي مدينتها لأجل العمل منتقلا إلى بلد آخر، فتاهت وانقلب ميزانها، ومال الى أن تختلط بالأجانب بائعةً شرف جسدها، وانتهى الأمر أن اعتقلت في معتقل إصلاحي. وفي نهاية القصة نجد أن بطلة القصة هربت من المعتقل الى غابة صغيرة وفوجئت ببيضة ملطخة بالدم وهي بيضة وضعتها دجاجة عذراء وأخفتها حرصا عليها. فالتقطت البيضة وأمسكتها تبكي إيحاء الى رغبتها في العودة وإيجاد نفسها الضائعة من جديد. رغم أنها ندمت على ما فعلته من ذنوب، لكن الحياة ليست مختبراً، ما وقع لن يعاد، وما حدث لن يرجع.
من المؤكد أن أدب المرأة نشأ في عصر تتنوع فيه الأفكار الثقافية وتزدهر فيه الأعمال الأدبية سواء في الصين أم في المملكة السعودية، يعكس الوعي الحقيقي بوجودها وقيمتها  من الظهور الى النضوج، ويسجل عناية النساء الإنسانية بأنفسهن وبالمجتمع بأسره، ويبارك خطوات تقدمهنّ و تحررهن. وقد قال أحد الزعماء “مدى تحرر المرأة دلالة على مدى تطور المجتمع”. فالأديبات الصينيات والسعوديات يحاولن التعبير عن همومهن تجاه شدائد البشر وأهوالهم والتعبير عن عنايتهن الخاصة بالعالم، والهدف من ذلك بناء عالم متساوٍ متعادل بين جنسي الرجل والمرأة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.