موقع متخصص بالشؤون الصينية

الصين تحذّر من وضع لبنان (المعقّد)

0


موقع لبنان الآن الالكتروني:
فيما تخضّ قلاقل شتّى منطقة الشرق الأوسط بدءاً من شمال أفريقيا مروراً بجرح فلسطين النازف إلى لبنان فسوريا والخليج، وعلى وقع النقاشات الدائرة في مختلف المحافل الدولية حول مستقبل منطقة الشرق الأوسط ومصير شعوبها ودولها وأنظمتها السياسية، وأمام واقع التدخل الغربي الواضح والفاضح وبمعايير مزدوجة في مجمل ما يجري من أحداث في المنطقة، يبدو موقف كل من روسيا والصين متمايزاً ـ إلى حدٍّ ما ـ عن باقي أترابهما على الساحة الدولية، وإن كان لذلك حساباتهما الخاصة.

في هذا السياق تسعى الصين لبلورة رؤية واضحة لها حيال الشرق الأوسط بمعظم قضاياه، انطلاقاً من مواقفها الثابتة والتقليدية حيال الصراع في المنطقة، كون مجريات الأمور الحالية تحتم عليها قراءة جديدة في هذا المجال. وقد بدأت الصين وتحديداً الحزب الشيوعي الصيني لتحقيق ذلك عبر سلسلة لقاءات قررت القيادة الصينية إجرائها لتعزيز علاقتها بشعوب المنطقة ولفعيل التواصل معها.

في هذا الإطار، استضاف نائب وزير الخارجية الصيني لشؤون غرب آسيا وشمال أفريقيا لي غينغيون في مقر دائرة العلاقة الخارجية في بكين مجموعة من الإعلاميين العرب، متحدثاً أمامهم بإسهاب عن رؤية الصين للواقع الدولي ولواقع الشرق الأوسط، فأكد أن التغييرات التي تشهدها المنطقة تبيّن أخطاء سابقة تراكمت، مشددا على أن الصين ذاهبة إلى مزيد من تعزيز العلاقات مع دول المنطقة وأحزابها “دون شروط سياسية”، وهي لذلك تهتم بالتقدم والتطور على الأرض، وتأمل من القوى السياسية والأحزاب الصديقة لها في المنطقة تفعيل التطور والنضج للمساهمة في مسار التقدم الحاصل. ولفت الدبلوماسي الصيني في هذا السياق إلى “خطر” الابتعاد عن الجماهير خاصة لدى الأحزاب التي حكمت في بلدانها لفترات طويلة.

وأشار المسؤول الصيني في كلامه أيضًا إلى خطر الفساد عندما يطال بنية الأحزاب الحاكمة، لافتاً إلى أن الصين التي مع احتفالها بالذكرى التسعين لتأسيس الحزب الشيوعي وضعت نصب أعينها مكافحة الفساد، تتطلع في الوقت عينه إلى مقاربة مشابهة من قبل الأحزاب التي تتبنّى التقدمية في منطقة الشرق الأوسط والتي أصيبت بمرض الابتعاد عن الشعوب، ولذلك فإن الصين تؤكد على دعم الشعوب لأنها بذلك “تدعم الشرعية”، وتأمل تطبيق الديمقراطية والتنمية عن طريق الإصلاح.

وأضاف غينغيون موضحاً لضيوفه أن الصين ورغم متابعتها عن كثب ودقة لما يجري فإنها تلتزم مبدأ احترام ما تقرره شعوب المنطقة، وإن أي تعديل على الواقع الحالي هو شأن الشعب أولاً، فيما يجب أن تبقى الاقتراحات الخارجية من باب النصح لا التدخل، وعلى الشعب الاختيار بشأنها، ومهما كانت هذه التغييرات فإن وحدة التراب الوطني لدول المنطقة وسيادتها هي الأهمّ.

وإذ أكد لي غينغيون أن لا يجب أن تستغل أي دولة أجنبية الأحداث في الشرق الأوسط للمسّ بسيادة الدول واستقلالها، أعرب عن اعتقاده بأن مختلف حركات التحرر تهتم وتريد أن يتم احترام سيادة واستقلال بلادها، لأنه إذا أدت أي ثورة إلى تخريب الاستقلال فهذه ليست بثورة.

وشدد لي غينغيون على أن السبل العسكرية لا تحل المشاكل القائمة، كما أن العنف لا يؤدي إلا إلى مزيد من الضحايا الأبرياء، ودعا بإسم الصين إلى حل النزاعات عبر المفاوضات السلمية لا بالسلاح، وكرر الدعوة إلى الدول الأجنبية إلى عدم التدخل، بل دعم الشعوب لتحقيق التنمية دون اي إملاء للمواقف.

وانطلاقاً من ذلك أوضح لي غينغيون أن موقف بلاده تجاه الأحداث الجارية في سوريا إنما هو مبني على كل ما تقدّم، كما أن الصين ترفض فرض عقوبات على أي دولة لا على سوريا وحسب، بشكل عفوي أو اعتباطي، وأضاف: “المهم أن نعرف ماذا ستفيد هذه العقوبات إذا فُرضت، فهل ستنفع مسيرة الإصلاح في سوريا؟ إن أكبر المتضررين من هكذا عقوبات سيكون الشعب السوري، لذلك نرى من الضروري جداً التروي في فرضها والنظر إلى أساليب مُجدية، ويسرّنا أن موقف روسيا مشابهاً لموقفنا في هذا الأمر، وإن كان ذلك لا يعني على الإطلاق نشوء حلف صيني روسي بوجه تحالف آخر، لأن الصين ترفض مبدأ الدخول في أحلاف بوجه أحلاف أخرى، ومعارضتها أو موافقتها على أي مسألة تنبع من المقاربة الدقيقة لهذه المسألة على حدة”.

الدبوماسي الصيني الرفيع الذي أشار في معرض حديثه إلى أنه زار لبنان منذ فترة والتقى عدداً من مسوؤليه، تطرق إلى الوضع اللبناني، واصفاً إياه “بالمسألة المعقدة”، وأكد أن “الصين لديها مواقف واضحة وعادلة تجاه المحكمة الخاصة بلبنان، وهي تقف مع التحقيقات العادلة لكشف قتلة الرئيس رفيق الحريري، لكنها تخشى أن تؤدي التحقيقات إلى مزيد من التفكك في لبنان، إذ يكفي ما عاناه من حروب حتى الآن، والمهم اليوم في لبنان التماسك الداخلي خصوصاً وأن هناك أسباباً كثيرة من شأنها أن تؤدي لزعزعة هذا التماسك، وهذا الواقع يفرح أعداء لبنان ويحزن أصدقاءه، وكون الصين صديقاً حقيقياً للبنان فهي تشدد على الوحدة الوطنية اللبنانية والحوار الداخلي”.

وإذ لفت إلى أن لبنان دولة متنوعة وغنية بالثروات الطبيعية والقدرات، دعا لي غينغيون للاستفادة من ذلك في تطوير وتنمية الدولة اللبنانية وتثبيت التلاحم الداخلي، متطلعاً في هذا المجال إلى دور مهم من الأحزب الصديقة في لبنان لتعزيز المصالحة الوطنية واعتماد الحوار سبيلاً لحل المشاكل دون تدخل أجنبي، وتحدث بالتحديد عن حركة رئيس “الحزب التقدمي الاشتراكي” وليد جنبلاط.

وبعد استعراض موقف بلاده من كل ما يجري باليمن وليبيا والعراق، مكرراً الدعوة إلى ترك الحرية للشعوب لتقرر ما تريده، تحدث لي غينغيون عن فلسطين، فجدد موقف بلاده الثابت والداعم للقضية الفلسطينية، ودعا المجتمع الدولي إلى إيلاء اهتمام جدي وأكبر بهذه المسألة، وإلى الاعتراف بدولة فلسطين على اساس الحوار. كما دعا الفلسطينيين إلى توحيد اللغة مع إسرائيل، منوّهاً بهذا المجال بتحقيق المصالحة الفلسطينية، وأشار إلى دور للصين في المساهمة بحصولها، وأكد أن وحدة المواقف الداخلية الفلسطينية من شأنها أن تسهم بتحقيق تقدم في المسار الفلسطيني الإسرائيلي، متمنياً أن تتم العودة إلى المفاوضات بأقرب وقت على قاعدة الشرعية الدولية ومبدأ الأرض مقابل السلام والمبادرة العربية.

وفي خلاصة اللقاء، بدا واضحاً أن الصين التي تخشى أي مواجهة على المستوى الدولي لحساباتها الداخلية السياسية والاقتصادية، تسعى بشكل أو بآخر إلى إيصال رسالة واضحة أشار إليها نائب الوزير خلال اللقاء بشكل مباشر، حيث أكد أن العلاقة بين الأحزاب والجماهير هي “كعلاقة السمكة بالماء”، وكرر الكلام أكثر من مرة عن “سياسة الانفتاح والإصلاح” التي انتهجها الحزب الشيوعي الصيني وعن قراره الحاسم بمحاربة الفساد، فهل تفهم الأحزاب الحاكمة في المنطقة رسالة بكين قبل فوات الآوان؟

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.