موقع متخصص بالشؤون الصينية

خواطر وآراء من على طريق الحرير..

0

موقع مبادرة الحزام والطريق بعيون عربية ـ
أسامة مختار*:

لكل إنسان رحلة يَبدأها، منها ما يكون هدفها تخفيف ضغط الحياة، وأخرى تكون بحثاً عن الشعور بالهدوء النفسي وأكتشافاً لعوالم جديدة، بداية بنقطة انطلاق جديدة، كانت تلك أمنيتى وخطواتى الأولى تقودنى إلى الصين والتى ربما كانت إمتداداً لخُطوات بدأها أجدادي السودانيون القدماءٌ على طريق الحرير القديم، ضمن أجناس وصنوف من البشر، كانت لهم حكايات على هذا الطريق .

صحيح أن رحلتى رغم بُعد المسافة لم تكن رحلة شاقة على ظهور الجمال أو الجياد، ولكنّها تحمل ذات النَفَس والشعور التواق لهذه العوالم البعيدة. مرّ الوقت سريعاً، وقد تغيرت ملامح طريق الحرير تغيّراً كبيرا، لكن القوة الجياشة في قلوب كثير من الناس وأنا أحدهم لم تختف أبد، وبدت مظاهر وحياة مختلفة على حد سواء، منذ ذلك التاريخ البعيد تغيّرت الدول والإمبراطوريات والممالك ، وأكاد أتخيل ما حدث من قصص التاريخ المتقلب المؤثرة على طول الطريق الطويل الذى أوجد حضارات مختلفة حتى وصلنا إلى العصر الجديد المزدهي، الذى يختبر الماضى التليد ويحتفى ببقائه، بل ويطّوره إلى فكرة جديدة مضيفاً إليها رؤى وأفكاراً تحت إسم [الحزام والطريق]، هذا الاسم المختصر لِ [مبادرة الحزام الاقتصادي لطريق الحرير” و”طريق الحرير البحري في القرن الـ21]، وهذا اسمها الكامل وكأن لسان الحاضر يردد قول الشاعر العربى القديم عمرو بن كلثوم :
ملكنا البر حتى ضاق عنا وظهر البحر نملؤه سفينا.
وقد ظلت كل هذه الذكريات عالقة بالأذهان ، كيف لا وقد كان على مدى آلاف السنين يُستخدم الحرير، مثله مثل الذهب، كعملة صعبة على هذا الطريق ، وكان يمكن استبدال الخيول به كما يمكن استخدام الحرير في دفع الضرائب والرواتب .
كان طريق الحرير يربط البلاد والمدن والمناطق في أنحاء العالم اقتصاديا وثقافيا، تكمن فيه ثروات وافرة وتلتقي فيه أعظم عطايا الفكر الانساني على مر التاريخ وهى ذات الفكرة المتبنّاة اليوم بل وأكثرفلم تعد الأساليب الإقتصادية كلاسيكيةً وإنما تطورت فى عصر التكنلوجيا.
و مما قرأته أن سجل كتاب “رحلات ماركو بولو” أن الصين كانت تمتلك في ذلك الوقت عشرة آلاف محطة على الأقل، وداخل هذه المحطات هناك الفنادق الجيدة والطرق التي تصطف على جانبيها الأشجار بالإضافة إلى مائتي ألف حصان في انتظار التحرك. وكان سُعاة البريد التابعون للإمبراطور يحملون الطرود البريدية باللونين الأحمر والأبيض، قاطعين يوميا مسافة أربعمائة كيلو متر. ويماثل اليوم نظام البريد نظام المحطات القديمة. وما زالت الطرود باللونين الأحمر والأبيض علامة البريد العاجل على طريق الحرير، هذه ملامح من ذكريات مؤثرة على طول الطريق الطويل. .
واليوم عندما أقف على ذات الطريق متأملا أجد أن هذه المبادرة [الحزام والطريق] والتي طرحها الرئيس الصيني شى جين بينغ فى عام 2013م احتلت اهتماماً واسعاَ فى العالم خاصة الدول العربية وهى فى تقديرى تمثل مرحلة جديدة لانفتاح الصين نحو العالم وقد أحرزت الصين فى إطار هذه المبادرة كثيراً من الإنجازات في قارات العالم. والدول العربية معنية بصفة خاصة بهذه المبادرة والصين بصدد الكثيرمن الخطوات المرتقبة تجاه هذه الدول التي تبادلها الوفاء مثل مشاريع البنى التحتية، وأساليب التمويل والتعاون مع أطراف دولية لتنفيذ هذه المشاريع، وكذلك التعاون في مجال الطاقة الانتاجية فمعظم الدول العربية، خاصة غير المصدرة للنفط منها، فيها نسبة مرتفعة من بطالة الشباب الذين لا يجدون فرص عمل مما يشكل عائقا أمام عملية التنمية الاقتصادية في هذه الدول.
وفي اعتقادي أن هناك مجالا واسعا بين الصين والدول العربية، والصين جاهزة لتقديم العروض والمشروعات في مجال التعاون في الطاقة الانتاجية وهناك حماس من الدول العربية للمشاركة في انجاح المؤتمر والمبادرة والأمل معقود للتوصل إلى الكثير من الاتفاقيات في المجالات الاقتصادية الجديدة التي تتميز بها الصين مثل التجارة الالكترونية، وأساليب الدفع الجديدة التى تتميز بها، وهذا االطريق دون شك سيؤدى مساره إلى تعميق التعاون الصيني العربي.
هذه مرحلة جديدة لانفتاح الصين نحو العالم، وقد أحرزت الصين في إطار هذه المبادرة كثيراً من الانجازات فى قارات العالم، لهذا قررت الحكومة الصينية عقدهذا المؤتمر المرتقب والمهم تحت عنوان [منتدى الحزام والطريق للتعاون الدولي] في منتصف أيار/ مايو عام 2017م.
إن المضمون الرئيسي لبناء “الحزام مع الطريق” يتمثل في خمس نقاط تبرز التعاون العملي القائم على المشاريع المفصلة، وسيعود بفوائد ملموسة على شعوب الدول ذات الصلة وتتمثل هذه النقاط فى الآتي: (1)”تناسق السياسات”. (2)”ترابط الطرقات”.. (3)”تواصل الأعمال”.”. (4)”تداول العملات”. (5)”تفاهم العقليات”.
الصين هي موطن وميلاد طريق الحرير. ويحق لها قيادة المبادرة التي تدعو إلى تحقيق السلام والصداقة التي كانت وما زالت شعارا للصين من أجل دفع التنمية، وتقديم “رؤية الصين” لإعادة الهدوء والاستقرار في منطقة الشرق الأوسط وهي تسعى لتشكيل شبكة للبنية التحتية تربط قارات آسيا وأوروبا وأفريقيا، على طول طرق التجارة القديمة بما يجعل المناطق البرية والبحرية المحيطة بها مناطق للسلام والصداقة و المحبة و الوئام .
بدأ الرواد الجدد رحلتهم على طريق الحرير القديم المتجدد لكن الطريق ما زال وعرا. مع أن المواصلات أصبحت سهلة، فلا تزال هناك صعوبات ولكنها لم تعد كثيرة كما كانت من قبل: لا الجبال ولا الوديان ولا الحروب ولا الاضطرابات تستطيع أن تمنع الناس من عبور الطرق الوعرة، واليوم أصبحت الرغبة في إحياء طريق الحرير أكثر إلحاحا من أي عصر مضى، يمرّ الوقت بسرعة، وقد تغيرت ملامح طريق الحرير تغيرا كبيرا، ولكن جميع العقبات مؤقتة لأنه لا شيء يمكنه الوقوف في وجه القوة المحركة لقلوب الناس.
الأجداد حقا عانوا شقاء وتعبا لآلاف الأعوام، ليمهدوا لنا طريقا للتواصل مع العالم الخارجى، طريق التقدم، طريقا يجذب الأنظار لذلك نحن مدينون بالشكر لأسلافنا ليتواصل تبادل ثقافات الإنسان ويتغير التاريخ متخطيا العقبات للمساهمة في انجاز طريق الحرير القديم المتجدد وتواصل الحياة إلى ما لا نهاية..

*أُسامة مختار – خبير إذاعى في إذاعة الصين الدولية، وقائم بأعمال الإتحاد الدولى للصحفيين والإعلاميين والكُتّاب العرب أصدقاء وحُلفاء الصين لدى الصحافة والإعلام والإعلام الإجتماعي الصيني الناطق بالعربية في جمهورية الصين الشعبية.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.