الحرب التجارية بين الصين وامريكا.. وتطويع نظرية المباريات

0

صحيفة رأي اليوم اللندنيةـ
د. خالد رمضان عبد اللطيف:
قبل أن يلفظ العام الحالي أنفاسه، تفاجأ العالم قبل أيام بتوقيع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، على اتفاق مرحلي جزئي بين واشنطن وبكين لحل نزاعهما التجاري المحتدم منذ ثمانية عشر شهراً، الأمر الذي يكفل للاقتصاد العالمي تفادي بعض أسوأ السيناريوهات في العام الجديد، رغم أن الاتفاق لا ينص على تسوية المشكلات الجوهرية بين البلدين.
والسؤال: كيف تدير الولايات المتحدة والصين حربهما التجارية الراهنة وفقاً لنظرية المباريات؟، تلك النظرية المعروفة على نطاق واسع في الأوساط الأكاديمية، والتي تجمع بشكل مذهل بين الفلسفة وعلم النفس والرياضيات، وتأتي دائماً في المقدمة كأداة استراتيجية حين يتعلق الأمر بقرار مهم يجب اتخاذه في حالات، عدم اليقين والأوقات الصعبة وغير المسبوقة.
ولتوضيح مدى أهمية وفاعلية هذه النظرية وتطبيقاتها ربما تكفي الإشارة إلى أنه منذ العام 1970 وحتى الآن تم منح 12 من أبرز العلماء جائزة نوبل في الاقتصاد لمساهمتهم في تطوير تلك النظرية التي عرفت لأول مرة عام 1944، ويتم تطبيقها في الكثير من المجالات بما في ذلك التجارة والمالية والاقتصاد والعلوم السياسية وعلم النفس، حيث يعتبر فهم هذه النظرية واستيعاب استراتيجياتها مهم جداً لتعزيز التفكير المنطقي ومهارات صانع القرار في عالم متشابك ومعقد.
ولكي نفهم كيفية إدارة ملف الحرب التجارية بين واشنطن وبكين يستحسن أن نضرب مثالاً بعيداً نوعاً ما، على كيفية إدارة التنافس التجاري الشرس، وفقاً لنظرية المباريات، وليكن هذا المثال متعلق بأكبر شركتين عالميتين في قطاع المشروبات الغازية “كوكاكولا” و”بيبسي”، إذا فرضنا أن الأولى قررت خفض سعر مشروب الـ “كوك” الشهير، فقد لا يوجد خيار آخر أمام “بيبسي” سوى أن تحذو حذو منافستها من أجل الحفاظ على حصتها السوقية، علماً بأن خفض السعر سيؤدي إلى هبوط أرباح الشركتين، أما إذا قامت “كوكاكولا” بتخفيض الأسعار بينما لم تقم “بيبسي” بخطوة مشابهة، فسوف تخسر الأخيرة لصالح الأولى، وذلك لأن حصة “كوكاكولا” في السوق ستتوسع وتزيد معها أرباحها بفضل بيعها كميات أكبر من مشروب الـ”كوك” الرخيص مقارنة مع مشروب “بيبسي” الغالي.
ولكن، إذا حافظت الشركتان على مستويات الأسعار كما هي دون تغيير، فستزيد أرباح كل منهما بمقدار 500 مليون دولار بسبب النمو الطبيعي للطلب، أما إذا قامت إحداهما بخفض أسعارها بينما لم ترد الأخرى بإجراء مشابه، فستربح الأولى 750 مليون دولار كنتيجة لزيادة حصتها السوقية، أما إذا قامت الشركتان بخفض أسعارهما معاً فسوف تربح كل منهما 250 مليون دولار، لأن الزيادة في الاستهلاك ستعوض انخفاض الأسعار.
لو عدنا للحرب التجارية بين واشنطن وبكين، التي بدأت تقريبا منذ تولى سيد البيت الأبيض “رجل الرسوم المشددة” منصبه الرئاسي، سنجد أن العجز التجاري الأمريكي مع الصين سبب جوهري لإشعال معركة الرسوم الجمركية بين أكبر قوتين اقتصاديتين في العالم، فقد بلغ هذا العجز خلال إحدى عشر شهراً في العام الجاري، وتحديداً في الفترة من يناير إلى نوفمبر، 272.5 مليار دولار.
ووفقاً لنظرية المباريات، سعى القطبان الكبيران إلى تعظيم مصالحهما وفق حسابات الأرباح والخسائر، وتعددت الأساليب التي استخدمها الطرفان بين زيادة الصادرات وتقليل الواردات عبر تشديد الإجراءات الحمائية، أو بالابتزاز والتهديد والوعيد والحرب الكلامية، أو بالمراوغة، أو حتى باستعداء الحلفاء على مصالح الغير، كما في حالة شركة هواوي الصينية التي لم تكتف واشنطن حظرها، بل طلبت من حلفائها عدم فتح مجالات الاستثمارات أمام عملاق التكنولوجيا الصيني، أو باللجوء إلى منظمة التجارة العالمية واتهام الطرف الآخر بانتهاك قوانين التجارة أو أنه يفرض رسوما لمكافحة إغراق السوق المحلي بالمنتجات الرخيصة، بل تعدى الأمر إلى استخدام واشنطن ورقة سياسية كاحتجاجات هونج كونج للضغط على بكين .
ولعلنا نذكر، أنه في كل مرة كان ترامب يسجل فيها نقاطاً على الصينيين، كان يغرد بعبارات من شاكلة “حققنا مزيد من الوظائف. معدل البطالة لأدنى مستوياته منذ50 عاماً، كسبنا من الصين مليارات الدولارات. اقتصادنا يربح واقتصادهم ينهار”، بل إن ترامب نجح، ولو مؤقتاً، في توظيف الاتفاق المرحلي مع الصين لصالحه ليظهر بمظهر المفاوض الناجح، ليصبح الرابح الأكبر من الناحية السياسية، ضمن استراتيجية الهروب للأمام، حيث من المقرر أن ينظر مجلس النواب الأمريكي خلال الأسبوع المقبل في قضيتين أساسيتين بشأن مساءلة ترامب وهما إساءة استخدام السلطة وعرقلة الكونجرس، وبات من المرجح بشكل كبير أن يصبح ترامب ثالث رئيس أمريكي تتم مساءلته في مجلس النواب بعد أندرو جونسون في عام 1868 وبيل كلينتون في عام 1998.
بالرغم من هذا، يجب أن ندرك أن نظرية المباريات في الحرب التجارية، لا تعني تحقيق المعادلة الصفرية، التي قد يتصور البعض حدوثها بين طرفي الصراع التجاري، لآن التحليل الاقتصادي يؤكد أن الجميع خسران بشكل أو بآخر، فضلاً عن هذا، ربما لا يدرك البعض أن واشنطن تسعى، رغم شراسة الحرب التجارية، إلى تجنب تعرض التنين الصيني إلى ركود اقتصادي حاد، لأن أمريكا ترى في الصين التي تلقب بمصنع العالم، رافعة اقتصادية لا غنى عنها يجب أن تبقى ليستمر توازن الاقتصاد العالمي.

كاتب مصري متخصص في العلاقات الدولية والدبلوماسية

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.