الصين 2019 .. عام استثنائي بامتياز

0

 

 

موقع الصين بعيون عربية ـ
د. خالد رمضان عبد اللطيف*:

لا يعد 2019 عاما عادياً للصين، ففيه احتفلت الجمهورية الشعبية بذكرى تأسيسها السبعين، وكان الأمر مواتياً لاستعراض  تجربتها خلال سبعة عقود، وفيه تأججت حرب تجارية مريرة مع واشنطن برعاية “رجل الرسوم المشددة” دونالد ترامب، واندلعت تظاهرات عنيفة في هونج كونج للمطالبة بديمقراطية على النمط الغربي، وفيه ترسخت بيانات إيجابية باستنقاذ 740 مليون صيني من ربقة الفقر.

في شهر تشرين الأول (أكتوبر) الماضي، أجريت مقابلة على التليفزيون الرسمي الصيني، قدمت خلالها إضاءات وومضات حول تجربة الصين خلال سبعة عقود في السياسة والاقتصاد والعلاقات الدولية، ووجدتها فرصة للتركيز على أهمية استفادة العرب من تجربة الصين الملهمة، وخاصة في جوانبها الاقتصادية، وتطرقت إلى كيفية تحول التنين الصيني بشكل دراماتيكي من اقتصاد زراعي ريفي متخلف إلى اقتصاد صناعي بالغ التطور، معتليا قمة الهرم بين الاقتصادات العالمية.

برغم الرياح المعاكسة، هناك بعض المؤشرات الإيجابية لثاني أكبر اقتصاد عالمي، فقد نمت أرباح الشركات الصناعية في 2019، بنحو5.61 تريليون يوان، بالرغم مما واجهه القطاع من ضغط مستمر في ظل تباطؤ الطلب المحلي ونزاع تجاري مرير مع واشنطن يؤثر سلبا على الأرباح، وأضيف لقطاع النقل المزدهر نحو 8000 كم من السكك الحديدية، باستثمارات 3.2 تريليون يوان (457.5 مليار دولار)، وتم استحداث 10.97 مليون وظيفة جديدة، ما أدى إلى تراجع معدل البطالة في المناطق الحضرية إلى 3.61 % مع استقرار سوق التوظيف.

هناك نظرية يعرفها المؤرخون جيدا، وهي أنه لكي تعرف قيمة أي حدث تاريخي، ما عليك إلا أن تنزعه من سياقه، ثم تتوقع ماذا كان يمكن أن يحدث لو لم يقع هذا الحدث؟، ولو طبقنا تلك النظرية على الحالة الصينية، فما علينا إلا أن نتخيل ماذا كان يمكن أن يحدث لو لم تدشن الصين في عام 1949مرحلة جديدة من تاريخها المليء بالمتناقضات.

جون ستيوارت، السفير الأمريكي لدى الصين قبيل قيام الجمهورية الصينية الجديدة، قال إن ثلاثة إلى سبعة ملايين صيني كانوا يموتون جوعا قبل سنة 1949، وإن إطعام 550 مليون انسان (عدد سكان الصين سنة 1949) ستصبح المشكلة الأزلية للصين الجديدة.

بحلول ثمانينات القرن الماضي، انتهي زمن شح الغذاء في الصين، وقفز متوسط نصيب الفرد الصيني من الحبوب سنوياً إلى أربعمائة كيلوجرام، وباتت الصين مسؤولة عن إطعام 22 في المائة من سكان الكرة الأرضية، بسبعة في المائة فقط من الأرض المزروعة حول العالم.

وعلى مدى السنوات السبعين الماضية، سجل الناتج الإجمالي المحلي في الصين قفزات هائلة، وبلغ  13.6 تريليون دولار في عام 3018، مشكلا حوالي 16 في المائة من الاقتصاد العالمي، أي أنه زاد 175 ضعفا عن إجمالي الناتج المحلي في بداية تأسيس الجمهورية، بينما زاد دخل الفرد إلى نحو 10 ألاف دولار، أي أنه تضاعف أكثر من 500 مرة مقارنة بعام 1949.

تظل مكافحة الفقر في الصين مصدر إلهام لكثير من دول العالم، وخاصة الدول العربية والإفريقية، حيث يرزح نصف سكان العالم تقريبا تحت نير الفقر، وأغلبهم قطعاً ينتمون لشعوب العالم الثالث، ومؤخرا صرح رئيس الوزراء الباكستاني عمران خان، بأن هدفه الرئيسي إخراج 100 مليون باكستاني من براثن الفقر، مستلهما التجربة الصينية.

بعد سنوات الانتعاش والنمو المذهل، تصحو الصين اليوم على وقع معارك ضارية، أخطرها الحرب التجارية المشتعلة مع أبرز شركائها التجاريين (الولايات المتحدة، والاتحاد الأوروبي)، والذي يتوقع أن تكون سببا رئيسيا في دفع الاقتصاد العالمي للركود في عام 2020.

رغم تعدد جبهات الحرب التجارية، إلا أن “سرقة التكنولوجيا” وحماية الملكية الفكرية تظل أم المعارك المستعرة بين واشنطن وبكين، حيث يتم استهداف وتحجيم عملاق التكنولوجيا الصيني “هواوي”، المعتبرة في الوعي الجمعي الأمريكي أخطر من ماو تسي تونج وجيشه الجرار وكتابه الأحمر.

في المقابل، يتوجس الأوروبيون خيفة من تقدم التنين الصيني، ويرتعدون من الاستحواذ الصيني على شركات التكنولوجيا الأوروبية، التي تلتهمها الشركات الصينية الواحدة تلو الأخرى.

وضمن أوراق الحرب التجارية، تبرز هونج كونج “الكعكة الصينية المفضلة”، حيث تستخدم كورقة ضغط في النزال الأيديولوجي غير المعلن.. صحيح أن المحتجين في الإقليم الصيني لديهم الحق الكامل في المطالبة بحقوقهم العادلة والمشروعة، إلا أن واشنطن لم تفوت الفرصة كعادتها دائماً، وكانت حاضرة بقوة في هذا الملف المتأزم، والمعتبر شأنا داخليا، ونزاعا صينيا- صينيا.

في مقابل تلك المعضلات الشائكة، نجحت بكين في توسيع نفوذها في الشرق والغرب، وبخاصة في آسيا وأفريقيا، عبر سلاح الاستثمارات المليارية، في الوقت الذي تنسحب فيه واشنطن تدريجيا من الشرق الأوسط وتنكب على ذاتها، تنفيذا لشعار الرئيس الأمريكي دونالد ترمب “أميركا أولا”.

وعبر سياسة “الأمن الاقتصادي مقدم على الأمن العسكري”، وسعت الصين تواجدها في المنطقة العربية، مكتسبة حلفاء جدد، وأصبحت شريكا موثوقا به، مما دفع التجارة الثنائية بين الصين والدول العربية للنمو بنسبة 28 في المائة إلى 244.3 مليار دولار في 2018.

وفي أفريقيا، جرى توسيع النفوذ الصيني أيضا، وباتت بكين أكبر شريك تجاري للقارة السمراء، باستثمارات تقارب 170 مليار دولار، وقد وجدت الدول الأفريقية، المتعطشة للتنمية والاستثمارات الأجنبية، ضالتها في مبادرة الحزام والطريق المدعومة من الصين، والتي تراهن عليها في إحداث نقلة نوعية هائلة في مشاريع النقل والطرق والسكك الحديدية “المتهالكة” في القارة الإفريقية.

* كاتب مصري متخصص في العلاقات الدولية والدبلوماسية

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.