لماذا الأويغور الآن؟ (4) .. هل تضطهد الصين المسلمين بشكل عام ؟ .. وكيف تتعامل مع أصحاب الأديان ؟

0

 

موقع الصين بعيون عربية ـ
بقلم – محمود سعد دياب*:

مقدمة
لم يكن مستغربًا تلك الحملة الشعواء التي انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي ضد الصين مؤخرًا واتهامها باضطهاد المسلمين الأويغور، ولكن الغريب هو توقيت الحملة وحجمها رغم أن الاتهامات لم تتضمن أي جديد خلاف سابقتها على مدار السنوات السبعة الماضية منذ إطلاق الصين مبادرة الحزام والطريق عام 2013، ولعل تلك المبادرة السبب الرئيسي وراء ذلك التصعيد نظرًا لأن طرق التجارة الصينية تبتلع منطقة أوروآسيا وإيران وحتى تركيا وتجعلها وحدة متماسكة في مواجهة النفوذ الغربي.
في هذا التحقيق الذي ننشره على حلقات متتابعة، نحاول الوقوف على أصل الحكاية بشكل حيادي ومن واقع الأمانة الصحفية، بعيدًا عن الدعايات السلفية المتشددة، ومحاولات الغرب استمالة تعاطف عموم المسلمين لتحقيق أهداف سياسية، ورصد الجانب المظلم لبعض المنتسبين إلى قومية الأويغور من خلال خبراء متخصصين، وأيضًا كيفية تعامل الحكومية الصينية مع أصحاب الديانات بما فيهم المسلمين، فضلا عن تجربة شخصية عاشها كاتب هذه السطور في منطقة شينجيانج ذاتية الحكم شهر سبتمبر 2018، وتاريخ تلك المنطقة منذ قديم الزمان الذي يدحض دعايات تركيا بأنها كانت ملك أبناء القومية التي قالت إن أجدادهم الأتراك السلاجقة انحدروا منها منذ قديم الزمان إلى منطقة الشرق الأوسط لكي يؤسسوا الإمبراطورية العثمانية في هضبة الأناضول، وحكاية معسكرات التدريب التي تقول الميديا الغربية عنها أنها مراكز اعتقال.

في الحلقات السابقة تعرفنا على أصل حكاية الجانب المظلم لبعض المنتسبين إلى قومية الأويغور المسلمين في منطقة شينجيانج الصينية ذاتية الحكم، وكيف أن الحركة الإرهابية الانفصالية (الحزب الإسلامي التركستاني)، التابعة لتنظيم القاعدة، تنشر الفوضى والخراب بدعم أمريكي كامل، فضلا عن جحافل القوى الناعمة الأويغورية الأخرى الغير مسلحة والمدعومة أمريكيًا أيضَا والتي أسست منظمات حقوقية ومنصات تهاجم الصين وتسعى لتصوير ذلك الإرهاب على أنه حق تقرير مصير للمسلمين المظلومين في الصين، بالإضافة إلى أسباب التصعيد الأخير ضد الصين منذ إطلاق مبادرة الحزام والطريق واستهداف شينجيانج باعتبارها أهم نقطة على طريق الحرير الجديد ومنها تتفرع طرق التجارة إلى ثلاثة أفرع رئيسية، وتوسيع بكين نفوذها تدريجيا في منطقة أوروآسيا التي كانت مسرحًا للهيمنة الأمريكية على مدار العقود الماضية منذ انهيار الاتحاد السوفيتي.

وفي الحلقة الثالثة تناولنا المعارك الماراثونية التي خاضتها الصين ضد الدول الغربية مجتمعة في أروقة الأمم المتحدة، وتاريخ منطقة شينجيانج منذ عهد أسرة هان 206 ق.م حتى الآن، وهل الأويغور هم أجداد الأتراك العثمانيين؟، وهل ينتمون إلى القومية التركية؟، ورد الجانب الصيني على ذلك، بالإضافة إلى المغالطات التي تروجها تركيا بهذا الخصوص، وهل شينجيانج هي تركستان الشرقية؟.

في الحلقة الرابعة نرى كيفية تعامل حكومة البر الرئيسي مع أصحاب الأديان بشكل عام بصفتها حكومة علمانية تمنح مواطنيها حرية الاعتقاد وتجبرهم على الالتزام بالقوانين وعدم الخروج عنها بما يؤثر بالسلب على باقي المواطنين، أو يقيد من حريتهم، فضلا عن تاريخ المسلمين في الصين حتى الآن، وحكاية مراكز التدريب التي أقامتها حكومة شينجيانج لإعادة تأهيل المواطنين من أصحاب المؤهلات المتوسطة ومعتنقي الأفكار المتطرفة وتعليمهم حرفة يدوية تنفعهم في حياتهم وتنقذهم من البطالة.

تجربة شخصية
من خلال تجربة شخصية عاشها كاتب هذه السطور في الصين، لم يكن هناك أي اضهاد للمسلمين حيث عاش في العاصمة بكين عاماً كاملاً تقريبًا، كان يقوم خلالها بالشعائر الدينية في المسجد القريب من محل سكنه من الصلوات اليومية وصلاة الجمعة، وفي العيدين كان المسلمون من أهل المنطقة يتجمعون ويتقدمهم إمام المسجد الشيخ إسحق وهو شيخ صيني معين من قبل الجمعية الدينية الإسلامية التي تعمل تحت إشراف الحكومة، وتناول مع الجميع وجبة الإفطار في عيد الفطر وعيد الأضحى وسط سعادة وفرح من الجميع كبارًا وصغارًا.

كما يتضمن المسجد محلات خارجية ملحقة به تقدم اللحوم الحلال والدجاج المذبوح على الطريقة الإسلامية بأسعار مخفضة مدعومة من إدارة المسجد وتبرعات أهل الخير ومحلات أخرى تقدم الخضروات والفاكهة ومطاعم ومحلات يرتادها المسلمون وغير المسلمين، وخلال زيارته لحوالي 15 مدينة صينية لم ير أي تغيير خصوصًا في مدينة ينتشوان عاصمة مقاطعة نينغشيا، حيث أن مسلمي قومية الهوي أغلبية ولهم مساجد كبيرة المساحة قريبة الشبه بمساجدنا في مصر والدول العربية، بخلاف باقي المدن الصينية حيث بنيت المساجد على الشكل المعماري الصيني التقليدي القديم.

تاريخ المسلمين في الصين
بالعودة إلى التاريخ، نجد أن المسلمين قدموا إلى الصين للمرة الأولى في عام 651م خلال عهد الخليفة الثالث عثمان بن عفان رضي الله عنه، حيث انتقل التجار المسلمون عبر طريق الحرير إلى مدينة شيان عاصمة الصين في ذلك الوقت – وسط شرق الصين – وسمح لي تشي الإمبراطور الثالث في أسرة تانج الملكية بالبقاء والإقامة في المدينة، وذلك بعد ما لمس التقارب الكبير بين قيم الدين الإسلامي الحنيف، وتعاليم الثقافة الصينية التقليدية خاصة الكونفوشيوسية، والتي كانت العمود الفقري للثقافة الصينية.

وتؤكد كتب التاريخ الصينية، أن طبيعة الصينيين وثقافتهم منذ الأزل لا تتعارض مع الإسلام وتعاليمه السمحة، لدرجة أنه قد وصل الأمر في بداية القرن التاسع إلى وجود مجتمعات مسلمة، قائمة تعيش وتتعامل وفق مبادئ الشريعة الإسلامية في المدن الساحلية الصينية مثل مدينة قوانجتشو، وكان تم تعيين قضاة مسلمين لهم من قبل الملك الصيني، وهذا ما سمح بتعزيز التجارة عبر طريق الحرير، خاصة تجارة الحرير، الذي كان يستخدم كعملة بدل العملة النحاسية الملكية في المناطق الحدودية.

المسجد الكبير في شيان
الإمبراطور الصيني لي تشي أول من أقام مسجداً في مدينة شيان – بمحافظة شانشي حاليًا – على مساحة 12 ألف متر لا يزال يفتح أبوابه منذ 13 قرنًا حتى الآن للمسلمين للصلاة والعبادة، ففي شهر رمضان تقام صلاة التراويح يوميًا وفيه تقام الاحتفالات بعيدي الفطر والأضحى والمولد النبوي الشريف، وقد صممت جدران هذا المسجد الأثري من الخشب العطري الثمين، مخطوط عليها المصحف الشريف بالكامل، ومبانيه مزيج بين العمارة الصينية والإسلامية ويحتوي الجامع على أقسام أخرى مثل المعهد الدراسي والمطعم، وهو على شكل مجمع وكلية.

ممارسة الشعائر بما لا يخالف القانون
حسين إسماعيل الباحث المتخصص في الشئون الصينية، قال إن الصين تسمح لمعتنقي الأديان بممارسة شعائره دون المساس بحقوق الدولة أو التعدي على القانون الصيني، موضحًا أن هناك جمعيات تدير شؤون الأقليات الدينية مثل المسلمين والمسيحيين والبوذيين والطاويين، وأن مجالس إدارات تلك الجمعيات منتخبة من كل أقلية، والحكومة تحترم قراراتها وتنفذها.

تجاوزات الجمعيات الدينية
وأشار – في تصريحات خاصة لـ”كاتب هذه السطور” – إلى أن هناك مصلحة الشؤون الدينية المعينة من الحكومة تراقب تلك الجمعيات ماليًا وتوجه لها الإرشادات بما تنص عليه القوانين في كافة شؤون الحياة خصوصًا الشعائر والاحتفالات الدينية، وفي حالة المخالفة توجه المصلحة بضرورة الالتزام بالقانون، موضحًا أنه لم تحدث تجاوزات من الجمعيات الدينية لأن الصينيين عموما مختلفون عن شعوب العالم في أنهم ملتزمون بتنفيذ القانون، وإن حدث تجاوز لا يتعلق بارتكاب جريمة فيتم حل الأمر بشكل ودي وتعهد المخطئ بعدم العودة إلى ذلك.

سبب المناوشات بين الفاتيكان والصين
وأوضح حسين إسماعيل أن سبب المناوشات التي تحدث كل فترة بين الفاتيكان والحكومة الصينية، أن الحكومة ترى أن تعيين أسقف كنيسة أو مطران من سلطة الجمعيات الدينية المسيحية فقط، وتقره الحكومة بدون تدخل، في حين ترى الفاتيكان أن بابا الكنيسة الكاثوليكية هو من له الحق في ذلك، مضيفًا أن الحكومة تسمح بالحق في بناء دور العبادة لجميع أصحاب الأديان.

كيف طور المسلمون أنفسهم
وأوضح الباحث المتخصص في الشؤون الصينية، أن الإسلام دخل الصين عن طريق التجارة، وأن المسلمين طوروا أنفسهم، ودمجوا بين الفكر الكونفوشيوسي وتعاليم الإسلام، لأنهما غير متعارضين، وطوروا من طريقة تعليم الطلبة في المدارس المقامة بالمساجد، وحرصوا على أداء فريضة الحج وتحملوا مشقة السفر برًا في العصور القديمة إلى الأراضي المقدسة بمكة والمدينة، لدرجة أن الحاج الصيني يشتري كفنه ويغمره بماء زمزم المبارك، ويحتفظ به لتكفينه به بعد موته.

منطقة شينجيانج
وبخصوص منطقة شينجيانج، قال حسين إسماعيل إنها منطقة غارقة في الفقر والتخلف، رغم أنها تمثل سدس مساحة الصين “1.6 مليون كلم مربع، وتحوي ثروات طبيعية مثل البترول حيث تحوي أرضها ثلث إنتاج الصين من النفط والغاز.

الثالوث المميت
وأضاف أن ثالوث الفقر والجهل والتخلف يجعل من الناس فريسة سهلة للأفكار المتطرفة، ما أدى إلى حدوث أعمال إرهابية وتفجيرات تسببت في خسائر فادحة، وأن الحكومة تتعامل بصرامة مع الجماعات المتشددة وفق قانون حازم وعدالة ناجزة، مشيرًا إلى أن الرئيس الصيني شي جين بينج رآى أن التنمية هي وسيلة إزالة هذا الاحتقان، خصوصًا وأن أبناء الإقليم ينظرون بحساسية إلى باقي المجتمع الصيني الغني في المناطق الأخرى.

مراكز التدريب
وسائل الإعلام الصينية نشرت منذ أشهر تصريحات تشانغ شياو سفير الصين في كازاخستان، الذي أكد فيها أنه حكومة منطقة شينجيانج، أقامت مراكز لتعليم وتدريب المهارات المهنية لأصحاب المؤهلات المتوسطة وغير حاملي أي مؤهل، لتحويل هؤلاء الشباب إلى عنصر فاعل في المجتمع، مضيفًا أن معسكر “الجولاج” غير موجود في الصين – أقامه الاتحاد السوفيتي وقت حكم ستالين في كازاخستان وأودع فيه كل المعارضين السياسيين – وأن ما ينشر عن تلك المراكز من أخطاء هدفها تقويض مكافحة الشعب الصيني للإرهاب والسعي لتحقيق الاستقرار.

وأضاف السفير الصيني في تصريحاته التي نشرت باللغة الصينية، أن الحكومة الصينية قررت القضاء على ثلاثة قوى كانت سبب المشاكل في شينجيانج هي “التطرف والنزعة الانفصالية والإرهاب”، من خلال القضاء على التربة الخصبة لنمو ذلك بالتنمية وتسريع وتيرة إنشاء المشروعات التي توفر الملايين من فرص العمل وأيضًا قبلها لابد من تأهيل الشباب العاطل لكي يكون مناسبًا لتلك الوظائف، وذلك في مراكز التدريب التي لم تستهدف فيها مجموعات عرقية أو معتقدات دينية محددة، لكنه يعامل الجميع على قدم المساواة.

مركز التدريب ليس سجنًا
ولفت إلى أن مركز التعليم والتدريب ليس سجنًا، بل مدرسة للمجتمع بأسره، وأن الغرض الوحيد من المركز هو تثقيف الناس جيدًا وحماية “الأشخاص الطيبين” من “السيئين”، حيث يتعلم الشاب أو الفتاة لغة الماندرين، حتى يمكنهم استخدام الصينية الفصحى تحدثًا وكتابة، بالإضافة إلى أطلاعهم على القوانين والدستور الصيني كي يكون لديهم الحد الأدنى من الشعور بالالتزام بالقانون ثم تعلم المهارات الأكاديمية، بما في ذلك الطهي وطباعة المنسوجات والصباغة وإصلاح الأحذية وصالونات التجميل والتجارة الإلكترونية وما إلى ذلك، ويمكن للمشاركين اختيار واحدة أو اثنتين من المهارات العملية وفقًا لهواياتهم ورغباتهم الخاصة، من أجل تحسين قابليتهم للتوظيف.

وختم حديثه بأنه منذ أن بدأت مراكز التدريب منذ عامين لم تحدث عملية إرهابية واحدة، وضخت طاقة إيجابية في المجتمع التشينيانجي، بل أنها أيضًا قدمت إسهامات كبيرة في تعزيز أمن واستقرار منطقة آسيا الوسطى المجاورة.

*صحافي مصري متخصص في العلاقات الدولية وشؤون آسيا في مؤسسة الأهرام

رابط الحلقة الأولى:  http://www.chinainarabic.org/?p=49825
رابط الحلقة الثانية:  http://www.chinainarabic.org/?p=49837
رابط الحلقة الثالثة:  http://www.chinainarabic.org/?p=49856

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.