موقع متخصص بالشؤون الصينية

دبلوماسية شي: الصين والبرازيل – دولتان صداقتهما تتخطى المحيطات

0

“لقد حصلت على وظيفة، واشتريت أريكة وثلاجة بالمال الذي كسبته، وغطيت الجدران الخارجية لمنزلي بالأسمنت، وتمكنت من الوصول إلى الإنترنت في المنزل، وتعلمت كيفية إجراء الاتصالات التجارية وعمليات الشراء والتسويق عبر الإنترنت. لقد تحققت كل أحلامي”، هكذا قالت مارلين أراوخو دياس لوكالة أنباء ((شينخوا)).

أراوخو دياس، التي تعيش في قرية من قرى الغابات بولاية توكانتينز شمالي البرازيل يطلق عليها اسم مالهدينا، هي واحدة من العديد من السكان المحليين الذين يشعرون أن حياتهم قد تغيرت منذ أن تم في أغسطس 2021 تدشين مصنع لتجهيز الفاكهة شيدته الصين. والواقع أن هذا التغيير، الذي وصفته أراوخو دياس بأنه “تحويل المياه العادية إلى نبيذ أحمر”، يجسد التعاون الوثيق بين البلدين اللذين تفصل بينهما محيطات.

إن زيارة الدولة التي قام بها الرئيس البرازيلي لويس إيناسيو لولا دا سيلفا إلى الصين مؤخرا، والتي أجرى خلالها هو والرئيس الصيني شي جين بينغ محادثات، قد رسمت مستقبلا أكثر إشراقا للعلاقات الثنائية، حيث تعمل أكبر دولتين ناميتين وسوقين ناشئين في نصفي الكرة الأرضية الشرقي والغربي معا لتحقيق فوائد أكبر للشعبين، والقيام بدور أكثر أهمية وإيجابية من أجل السلام والاستقرار والرخاء في منطقتيهما وجميع أنحاء العالم.

— “الصداقة مثل زجاجة نبيذ”

“الصداقة مثل زجاجة نبيذ، كلما كان نبيذها معتقا، كان ذلك أفضل”. هذا المثل البرازيلي، الذي استشهد به شي خلال زيارته للبرازيل في عام 2014، كرره لولا يوم الخميس عندما أشاد بالعلاقات بين البلدين واصفا إياها بأنها “غير عادية” خلال زيارته للصين.

منذ إقامة العلاقات الدبلوماسية بين الصين والبرازيل قبل 49 عاما، حافظت الدولتان على تبادلات وثيقة رفيعة المستوى وثقة سياسية متبادلة متينة. ففي عام 1993، أصبحت البرازيل أول دولة نامية تقيم شراكة إستراتيجية مع الصين، وفي عام 2012 تم الارتقاء بهذه الشراكة إلى شراكة إستراتيجية شاملة. وخلال الفترة من 2006 إلى 2022، عقدت لجنة التنسيق والتعاون الصينية البرازيلية رفيعة المستوى ستة اجتماعات، الأمر الذي دفع إلى تحقيق ثمار مستمرة في إطار التعاون العملي الثنائي الشامل.

 

 

شكلت المنتجات الزراعية والمعادن والنفط ركائز في التعاون الاقتصادي بين الصين والبرازيل. واستفاد البرازيليون من الاستثمارات الصينية في مجال البنية التحتية ومشاريع الصالح العام. علاوة على ذلك، من المتوقع أن يؤدي افتتاح خط جوي جديد للشحن يربط مدينة شنتشن جنوبي الصين بساو باولو، أكبر مدن البرازيل، في وقت سابق من أبريل، إلى زيادة تحفيز التجارة الإلكترونية بين البلدين.

كما تجسدت التفاعلات عالية المستوى بصورة متزايدة في السنوات الأخيرة. فقد توجه شي في يوليو 2014 إلى البرازيل لحضور القمة السادسة لمجموعة بريكس، والتقى قادة مجموعة دول أمريكا اللاتينية والكاريبي. وفي نوفمبر 2019، سافر إلى البرازيل مرة أخرى لحضور القمة الـ11 لمجموعة بريكس. واختار لولا، وهو صديق قديم للشعب الصيني زار الصين عدة مرات، الصين كوجهة أولى له خارج الأمريكتين بعد توليه الرئاسة البرازيلية في وقت سابق من هذا العام.

وفي معرض تأكيده على أن الصين تنظر دائما إلى علاقاتها مع البرازيل على أنها أولوية عالية في جدول أعمالها الدبلوماسي، قال شي إن “الصين ترحب بدخول المزيد من المنتجات عالية الجودة من البرازيل إلى سوقها. وستعمل الصين بنشاط على استكشاف مزيد من أوجه التآزر بين مبادرة الحزام والطريق وإستراتيجية إعادة التصنيع البرازيلية”.

كما يضطلع البلدان بدور هام معا في عالم اليوم المضطرب، حيث يتواصلان وينسقان فيما بينهما بشكل وثيق ضمن أطر متعددة الأطراف مثل الأمم المتحدة، ومنظمة التجارة العالمية، ومجموعة بريكس، ومجموعة العشرين.

في مواجهة تغيرات عالمية بحجم لم يسبق له مثيل خلال قرن، عقدت الصين والبرازيل العزم على ممارسة تعددية حقيقية، والدفاع عن القيم المشتركة للبشرية، والعمل من أجل نظام حوكمة دولي أكثر عدلا وإنصافا، وحماية المصالح المشتركة للدول النامية والعدالة والإنصاف الدوليين بكل إخلاص، وبناء مجتمع ذي مستقبل مشترك للبشرية، وفقا لما قال شي يوم الجمعة.

وذكر لولا أن البرازيل تقف على أهبة الاستعداد للعمل مع الصين للإسهام في جهود الدول النامية للتخلص من القواعد غير العادلة وتحقيق تنمية أكثر عدلا وتوازنا.

— “رقم قياسي جديد في التجارة”

تنتظر ناقلة النفط العملاقة الصينية “يوان بنغ يانغ”، التي ترسو في ميناء أكو بمدينة ريو دي جانيرو، في هدوء موعد مغادرتها إلى آسيا بمجرد تحميلها بالكامل بحاويات من النفط الخام البرازيلي.

وفي هذا الصدد، قال فينيسيوس باتل، مدير إدارة الميناء، لوكالة أنباء ((شينخوا)) إن تصدير النفط الخام وخام الحديد إلى الصين يعد أحد الأعمال الأساسية للميناء منذ تشغيله في عام 2014.

“لقد وقعنا عقودا جديدة مع شركات صينية في العام الماضي. وسجلت صادراتنا إلى الصين رقما قياسيا جديدا”، حسبما ذكر باتل.

إن الحيوية التي يشهدها الميناء مثال ممتاز على ازدهار التجارة بين الصين والبرازيل. “عندما زرت بكين لأول مرة، لم يتصور سوى القليل من المحللين أن الشراكة الصينية البرازيلية ستكتسب الأهمية التى تحظى بها اليوم. فمنذ ذلك الحين، تضاعفت تجارتنا بواقع 16 ضعفا وأصبحت الصين الشريك التجاري الرئيسي للبرازيل”، وفقا لما قال لولا في مقابلة مكتوبة مع ((شينخوا)) قبيل مغادرته متوجها إلى الصين في زيارة دولة.

 

 

وذكر أن “قيمة صادراتنا إلى الصين أكبر من مجموع صادراتنا إلى الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي”، مشيرا إلى أن “الصين محرك عظيم للصناعة الزراعية البرازيلية”.

تعد الصين أكبر شريك تجاري للبرازيل منذ 14 عاما متتالية، وتعد البرازيل أول دولة في أمريكا اللاتينية يصل حجم تجارتها مع الصين إلى أكثر من 100 مليار دولار أمريكي.

في عام 2022، بلغ حجم التجارة البينية 171.35 مليار دولار. واستوردت الصين 54.4 مليون طن من فول الصويا و1.11 مليون طن من لحوم البقر المجمدة من البرازيل، وهو ما يمثل 59.72 في المائة و41 في المائة من إجمالي حجم وارداتها منهما على التوالي، حسبما أظهرت بيانات صادرة عن الهيئة العامة للجمارك في الصين.

ووقع بنك الشعب الصيني في 7 فبراير مذكرة تعاون مع بنك البرازيل المركزي لإقامة ترتيبات مقاصة بالرنمينبي في البرازيل، وهي خطوة يقول خبراء إنها ستحسن كفاءة التجارة الثنائية وتزيل المخاطر الخارجية لتوفر بذلك آلية حماية فعالة للتجارة بين البلدين.

عقب المحادثات التي جرت بين شي ولولا يوم الجمعة، شهد الرئيسان توقيع العديد من وثائق التعاون الثنائي في مجالات التجارة والاستثمار، والاقتصاد الرقمي، والابتكار العلمي والتكنولوجي، والمعلومات والاتصالات، والحد من الفقر، والحجر الصحي، والفضاء وغيرها.

وقد صرح غوستافو بيسكاسي، رئيس الشؤون الخارجية لشركة التعدين البرازيلية العملاقة (فالي)، في حديثه لـ((شينخوا)) قائلا إنه بالنسبة لشركته، التي صدرت منتجات إلى الصين على مدى الخمسين عاما الماضية، “الصين ليست أكبر سوق لنا فحسب، بل هي مورد حيوي للتعدين والبنية التحتية والمعدات والخدمات اللوجستية”.

وأضاف قائلا “نتطلع إلى مواصلة تعاوننا الوثيق مع الصين خلال الخمسين عاما المقبلة”.

— “حين تلتقي الثقافات”

في 19 يناير، زينت الفوانيس الحمراء وقصاصات الورق الفنية الصينية ورقصات الأسد مدينة ريسيفي البرازيلية القديمة. وتجمع مئات البرازيليين في ميدان ماركو زيرو بالمدينة في هذا اليوم بالذات، ليس فقط للاحتفال بقدوم عام الأرنب، بل للاحتفال أيضا بإدراج العام الصيني الجديد في التقويم الرسمي لريسيفي.

وقالت عضو مجلس المدينة سيدا بيدروسا “تراثنا التاريخي، مع استقبال عرض الأضواء الصيني، يبدو كما لو أن الثقافتين متحدتان… فلنتحدث قليلا إلى العالم ونخبره بأن الأخوة بين الشعوب ممكنة. وكم هو جميل أن تجتمع الثقافات معا!”

وذكرت أن “العلاقة بين الشعوب في غاية الأهمية، لأن ما يجعل ثقافة ما تتدفق و(تبقى) حية هي تلك الحالة التي تلتقي فيها ثقافة ما بثقافة أخرى”.

في 19 سبتمبر 2022، وافقت ريسيفي على مرسوم اقترحته بيدروسا بجعل السنة الصينية الجديدة عطلة رسمية في المدينة. وفي أوائل فبراير من هذا العام، قررت مدينة فوز دو إيغواسو في جنوب البرازيل أيضا جعل الاحتفال بالسنة الصينية الجديدة حدثا سنويا.

 

 

لقد ازدهرت التبادلات الثقافية والشعبية بين البلدين على مر السنين، على سبيل المثال، في الرياضة والطب والفنون، إذ تم تأسيس 14 معهدا من معاهد كونفوشيوس في البرازيل، وهي الأكثر بين دول أمريكا اللاتينية، وأقامت البرازيل مهرجانا وطنيا للاحتفال في أغسطس من كل عام بوصول المهاجرين الصينيين إلى البرازيل.

في فبراير 2021، اُفتتحت أول مدرسة صينية في البرازيل في ريو دي جانيرو. وبعد ذلك بعامين، أطلق البلدان دورات افتراضية لتعليم اللغة والثقافة الصينية للمبتدئين.

وقال شي يوم الجمعة إن الصين والبرازيل بحاجة إلى الاستفادة من الذكرى الـ50 لإقامة العلاقات الدبلوماسية بينهما التي تحل العام القادم لإجراء المزيد من التبادلات الشعبية، وتنشئة دعم شعبي أقوى للصداقة الصينية البرازيلية.

وبالمثل، ذكر لولا أنه واثق تمام الثقة في أن العلاقات البرازيلية الصينية سوف تحتضن مستقبلا أكثر إشراقا.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.