موقع متخصص بالشؤون الصينية

مِن وَحي شهر رَمَضان: نحو جُسور مُبدعة مَع مُسلمي الصّين

0

موقع الصين بعيون عربية ـ
علاء ساغة*:
كنت أتمنى أن أكون في هذه الأيام في منطقتي شينجيانغ بغرب الصين، وفي نينغشيا التي تقع في وسط شمال غربي الصين، للمشاركة في صيام رمضان وعيد الفطر مع المسلمين هناك، لمزيد من التعرّف على عاداتهم وتقاليدهم، التي يَجهلها أكثريتنا.
المُلاحظ في أمر مسلمي الصين، أنهم لم يُحاولوا عَبر التاريخ تعريف الشعوب العربية على أنفسهم والى أين وصلت أمورهم في المُغترب البعيد. وفي الغالب، يَعود السبب في ذلك الى هجرتهم الى الصين واستقرارهم فيها، والأمن والأمان الذي تمتعوا فيه وإلى اليوم من جانب السلطات هنا، منذ الحقبة الملكية السابقة والى الجمهورية الحالية، إذ احترم الصينيون وحكوماتهم المتعاقبة المسلمين العرب وغير العرب، وقرّبوهم من القِمم الحاكمة، وجعلوا منهم قادة ومسؤولين لأنهم يكتمون الأسرار، ولكونهم ناصروا الوطن الجديد الفسيح الذي أغدق عليهم خيراته وأخلصوا له.
وفي حالة مسلمي الصين الذين يعودون بأصولهم للعالم العربي، وارتحلوا الى الصين في خضم عمليات طريق الحرير الصيني القديم، بل وما قبله، وهو طريق وصل الى مختلف الانحاء العربية براً وبحراً، علاقتهم الوثيقة بالدولة الصينية، ذلك أنهم أخلصوا لها عملاً، كذلك دفاعاً عنها وعن نظامها وملوكها بالسلاح، فأخلصت لهم وارتقت بأوضاعهم.
يقول التاريخ، إن العرب والمسلمن برزوا وازدهروا في المجتمع الصيني منذ عهودهم الأُولى، مع محافظتهم على تقاليدهم، فاكتسب الإسلام أتباعاً جُدداً بالمصاهرة بين الأسر من أصل عربي أو فارسي وبين الأسر الصينية، وقد حافظ العرب على نسبهم وتميزوا عن غيرهم باسم (ما-馬/马)- وهو يَعني الخيل أو الحصان باللغة الصينية، وذلك لشهرتهم بركوب الخيل وتوريد الفصائل العربية النادرة للصين، والتي كانوا يجلبونها كهدايا ثمينة (بعد موسم الحج) من كل عام، وهي كانت تقدَّم كهدايا ثمينة جداً لكبار الشخصيات في البلاط الامبراطوري الصيني، وظل المسلمون محتفظين بمناصب مهمة في الدولة الصينية، وكان للإسلام احترام عظيم، وظهرت الفنون الإسلامية في الفن المعماري الصيني.
وتستطرد المراجع كاشفة عن وجود نظرية ذكرها الباحث الصيني هوي تشانغ، مفادها أن مؤسس “أُسرة مينغ” الصين الامبراطور “هونغ وو” كان مسلماً، لأنه لم يُصرّح بأنه مُعتنق أي ديانة من الديانات المحلية, كذلك له 100 رسالة يَمدح فيها الإسلام, كذلك أمر ببناء المساجد في المدن الصينية، مع أن الإسلام انذاك لم يكن منتشراً، وشجّع على إحضار عائلات عربية وإيرانية إلى الصين, وأمر بنقش مدح وذكر فضائل النبي محمد (ص), كذلك كان 10 من قادة جيوشة مسلمين، ومنهم “يوتشن تشانغ يو لان”، ويُقال لأن إسلامه جاء بسبب أنه عندما انضم لأول فرقة متمردة كان أحد قادتها مسلم فأقنعه بالإسلام.(المَرجع: موسوعة ويكيبيديا الحرّة. بند: “الاسلام في الصين”).
لهذا ولغيره من الأسباب التي لا مجال لذكرها هنا، تُغدق الدولة الصينية على مواطنيها من أصول عربية ومسلمة كما وعلى الاقليات الاخرى فيها، بقوانين تميّزهم عن غيرهم، وبالشقق السكنية المجانية ضمن المربعات والمُجمّعات السكنية الجديدة والعصرية المثالية للإقامة العائلية السعيدة، التي تقام على نمط مدن يتوافر فيها كل ما يَحتاجه المرء بالمدينة. فهي ذات تخطيط متفرد وذات قِيم جمالية وفاخرة، وتتوافر فيها متطلبات الحياة المتكاملة والعديد من الخدمات والمرافق ومراكز التسوّق ووسائل المواصلات، والطعام والشراب، العلاج والاستجمام والحدائق والرياضات، الحضانات والمدارس الداخلية، المتاجر والمسارح والمراكز الثقافية، المساجد ومواقع العمل، وبعضها يُطل على الأنهار والبحيرات الطبيعية والاصطناعية، وهلمجرا من مواصفات الحياة الهانئة والوفيرة بأطايبها، المولّدة للشجون والرومانسية والتفاؤل بالمستقبل، وضمانة النظام للعمل والتعليم، العلاج واحترام المواطن الانسان، في ظل دولة شعبية تجل شعبها وتخدمه وتعظمه هو أولاً وأخيراً.
لذلك يبتهج المرء عندما يرى المسلمين الصينيين وبينهم ذوو الأُصول العربية، هادئين وهانئين ومُستبشرين خيراً وهم يَحتفلون بشهر رمضان وعيد الفطر وغيره من الأعياد، فلا ينقصهم شيء، ولا يعانون من ضيق كما يعاني أخوتهم في بلدان أخرى، تعاني من الحروب واستشراء النزاعات، تَلاحُق المجاعات الاجتماعية والفردية، الفقر والفاقة، وانعدام الأمان الاجتماعي، وانتشار سلب الإنسان لإنسانيته في أنظمة ما، لا تأبه لتعاليم السماء ولا لقوانين الأرض ورغبات الانسان ومتطلباته الأدنى حتى.
لقد انتقل مسلمو الصين سوياً مع جميع مُكوّنات الشعب الصيني، من وضع التحرير الوطني والبناء الاجتماعي والاقتصادي الاساسي، الى وضع الارتقاء بالدولة وبالتالي بأنفسهم أيضاً، الى ان وصلوا الى مكانة متقدمة في سلم التطور الذي أفضت إليه حركة الاصلاح والانفتاح الشهيرة، ما انعكس عليهم بالخير وبَحبوحة العيش، ويَعود ذلك بلا شك، لحكمة القيادة الصينية سياسياً واقتصادياً واجتماعياً، وبُعد بصيرتها واهتمامها الفعالي بالشعب وتجاوبها السريع لمتطلباته المختلفة، ما ولّد وَضعاً عجائبياً وفريداً من نوعه، للوحدة ما بين الشعب المُوحَّد بقومياته وأجناسه وطوائفه وقيادته السياسية التي تتمثل فيها جميع ألوان الطيف الصيني السياسية والدينية والمهنية والحزبية..
فهنيئاً للشعب الصيني ومسلمي الصين وكل صيني وصينية كأئناً مَن كَان، بأعيادهم الرسمية والاجتماعية والدينية كلها، وبحياتهم المتطورة والراقية قُدماً دوماً وأبداً والصاعدة الى كَبد السماء حيث الكواكب التي يخططون لاستصلاحها، فهم العُظمَاء حقاً، والمُجترحين لكل جديد لحظة في إثر لحظة، بلا تعثّر ولا توقف ولا تلكؤ، فيا لكم أيها الصينيون من أمثولة تُحتذى لعالم جديد، لذا نتطلع إلى جمع قطبينا ومد جسور مُجدّدة ما بيننا وبينكم، ليس عن طريق “مبادرة الحزام والطريق” وحدها فقط، بل وبوساطة مختلف الجسور التقليدية والأخرى المُبدعة أيضاً، لنكون معاً وسوياً في عالمِ أشقاء حقيقيين، يَضج بإفادات ومكاسب يومية لجميعنا وفي كل شؤوننا.

*كاتب اردني ومستثمر، ومساعد لرئيس الاتحاد الدولي للصحفيين والإعلاميين والكتّاب العرب أصدقاء وحُلفاء الصين.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.