الصين وأمريكا.. أحربٌ بينَ مدٍّ وجزر!

0

 

موقع الصين بعيون عربية ـ
يلينا نيدوغينا*:

لم تنفك الصين تعارض العقوبات الأمريكية المفروضة على موسكو، وكذلك موسكو لم تتوقف عن انتقاد العقوبات الأمريكية الموجهة نحو بكين. وفي الفترة الأخيرة، أطلقت العاصمتان سيلاً من التصريحات الخطيرة للدفاع عن بلديهما بوجه التغوّل والتشدّد الأمريكي، ولشد أزر بعضهما البعض، وللتأكيد على متانة وقوة العلاقات المتبادلة بين البلدين الصين وروسيا، وتطوّر تعاونهما في كل المجالات التي تُحقّق المنفعة المتبادلة، ومن أجل رد كيد مَن يتربص بهما وبمصالحهما ورغبتهما بتأكيد التعددية القطبية والتجارة الحرّة بدون قيود في العالم.

أين نحن الآن من “الكارثة” المُحتملة؟

أمريكا هي أفقر دولة على الإطلاق في هذا العالم، فهي لا تمتلك سوى القليل من أموالها الخاصة، وأما غيرها من الأموال فهي سندات الخزينة الأمريكية وما يتكدس في بنوكها هي كلها أملاك غيرها من الدول، حيث تتنعم بها حكومتها الأمريكية، وتمنع مودعيها من سحبها كما يحلو لهم، بل كما يحلو لها، فتكون أموالهم رهينة حقيقية لدى عسكرتاريا العم سام!

الدين العام الأمريكي ينمو باضطّراد، وأمريكا هي الدولة الأولى المدينة في العالم لغيرها من الدول، وهي تعيش على حساب دول العالم تارة بالتهديد بالعصا، وأخرى بالوعيد بالجزرة. أمريكا لم تعد تلك الدولة المقررة في العالم. لذلك، قرّرت السير في عميلة إفقار العالم كله قبل الكارثة التي ستتعرض إليها، أو لنقل لتلافي ما يمكن من الكارثة باتخاذ قرارات عشوائية وغير علمية، وغير متزنة، تؤدي عملياً إلى كارثة فيها، وليس لتطبيع الأوضاع وإنقاذ الاقتصاد الأمريكي ودافع الضرائب في الولايات المتحدة.

مؤخراً، قال الرئيس فلاديمير بوتين، في تصريحات مدوّية ناصحاً أمريكاً “بألاّ تلعب” مع الصين، لأن بكين تستطيع تدمير الاقتصاد الامريكي “فوراً”، لو رغبت بذلك، ونصح واشنطن وترامب بعدم اللعب طويلا مع بكين، لأن هذا يشكل خطراً حقيقياً على الولايات المتحدة الأمريكية نفسها، وليس على الصين التي تحتفظ بمبلغ ضخم يتبع لها كسندات في الخزينة الأمريكية.

وفي تصريحات أُخرى نوّه الرئيس بوتين الى دور موسكو الرئيس، كما دور الصين، في ملف شبه الجزيرة الكورية، وبشأن تسوية النزاعات فيها، وستستمر مستقبلا في تلك التسوية.

كانت واشنطن “تشتغل بموسكو” وما زالت على هذا المنوال على مدار عشرات السنين، بفرض عقوبات متلاحقة ومتزايدة وتصاعدية على روسيا، وها قد لمست أمريكا أن هذا “الإشتغال” لم يعنِ وقوع موسكو في هاوية، ولا في تأخير تطوّرها، ولا في وأدها لبيريسترويكا غورباتشوف ويلتسن العميلين للصهيونية والامبريالية الامريكية والغربية، في مجالات الانتاج والتسويق والسيادة الوطنية، والولوج إلى مجالات لم يكن الغرب يَحلم في أحلامه المزعجة، بأن موسكو سوف تلج إليها، فقررت اليوم أن “تشتغل ببكين”، ليس لوقف التطور الصيني ولإنتاج أموال جديدة لخزينة “العم سام” من ضرائب باهظة وتصاعدية تُفرض على السلع الصينية، إنما في محاولة يائسة لوقف الازدهار البضائعي الصيني، ووقف طُرق “مبادرة الحزام والطريق” الشيجينبينغية في آسيا، ليتم قطعها بالتالي عن بقية العالم وقارّاته، فتفشيلها كما تعتقد واهمة.

لكن الصين لم تكتفِ بطرق بحرية لِ “المبادرة”، بل وعملت بنجاح على شق مختلف الطُرق لتسهيل سُبل المُبادرة، من بحرية وبرية وجوية، وسكك حديدية، وربما في المستقبل طُرق بالونات ومناطيد وسفن فضائية ضخمة للنقل البضائعي للقارات والبلدان الأخرى..

روسيا والصين تعيان منذ زمن بعيد أنه سيأتي ذلك اليوم حين تتكالب عليهما القوى الغربية بأبشع شكل، وها قد دنا هذا الزمن، لذلك كانت روسيا قد اتجهت منذ سنوات طويلة ماضية إلى تأصيل علاقاتها مع الصين في كل اتجاه، وفي زيادة احتياطياتها من الذهب على حساب ما تملكه من سندات الخزانة الأمريكية، وذلك في ظل العقوبات التي تفرضها واشنطن على موسكو بكل إصرار، بغية وقف التطور الروسي بعد أن نفضت عن كواهلها التبعية للغرب برمته، وبعد أن صارت مستقلة وعزيزة ومرهوبة الجانب وقوية، تساهم بدعم الصين بالطاقة، وتحافظ على اندفاعة جمهورية الصين الشعبية بصورة لم يسبق لها مثيل.

لقد أظهرت بيانات وزارة الخزانة الأمريكية، أن روسيا باعت خلال شهر نيسان/ أبريل سندات أمريكية بقيمة 47.5 مليار دولار، لتهبط استثماراتها في السندات الأمريكية إلى 48.6 مليار دولار، بعد أن كانت في شهر أذار/ مارس عند 96.1 مليار.

وبهذا الصدد، يقول الخبير الروسي فلاديمير ميكلاشيفسكي وهو كبير الاقتصاديين في بنك “دانسكي”، في تصريحات لِ “فيستي” و “روسيا اليوم” عن هذا الأمر: البعض يتساءلون عما إذا كان البنك المركزي الروسي قد باع السندات الأمريكية في نيسان/ أبريل لدعم الروبل، لكن الأمر يتعلق بتغيير الأولويات مع استمرار نمو الاحتياطيات، إلى أن ارتفاع عائدات السندات الأمريكية شجّع على بيعها. وباتت روسيا أكثر حاملي السندات الأمريكية بيعاً لهذه السندات رغم نمو احتياطياتها الدولية في ظل ارتفاع أسعار النفط، حيث قلّصت موسكو حيازتها من سندات الخزانة الأمريكية خلال السنوات الثماني الماضي بنحو 4 مرات، من 176 مليار دولار إلى 48.6 مليار وأشارت البيانات إلى أن احتياطات الذهب التي هي جزء من الاحتياطيات الدولية، صعدت منذ بداية 2018 بواقع 3.864 مليار دولار، أي من 76.647 مليار في الـ1 من كانون الثاني/  يناير الماضي إلى 80.511 مليار في الـ1 من حزيران/ يونيو الجاري.

 

وليس بعيداً عن المواجهة الاقتصادية بين البلدين، تسعى واشنطن الى دفع الصين للمواجهة معها، فتارة ترفع بعصا العقوبات والجمارك وعرقلة التجارة الحرة بين البلدين، وتارة تعلن عما يُسمّى بِ “قانون السفر إلى تايوان”، الذي أقرته الإدارة، موخراً وغضبت الصين بسببه إلى حد التهديد بِ “معركة دموية” كما جاء في الإعلام، لاستعادة الأراضي الصينية التي تعيث فيها أمريكا خراباً واستعماراً ونهباً، في حين حذّرت مجلة “ناشيونال إنترست” الأمريكية من عدم أخذ أمريكا تهديدات الصين على محمل الجد، ذلك لأن الإدارة الترامبية أقرّت في 16 آذار/ مارس الماضي “قانون السفر إلى تايوان”، الذي يسمح للمسؤولين الأمريكيين بالسفر إلى تايوان للقاء نظرائهم التايوانيين، رغم اعترافها بمبدأ “صين واحدة” منذ عام 1979.

من الواضح أن أمريكا أعدّت مخططاً جهنمياً “ُقبيل” هجوم عسكري وكاحتمال النووي على الصين، يقضي بإضعافها أولاً، وتحجيم إندفاعاتها الاقتصادية والعسكرية من خلال البحرين الشرقي والجنوبي، وقطع الطرق البرية عنها في غرب الصين وجنوب غربها، لكن لن تقوم أمريكا بذلك بحسب مخططها العميق والشبه سرّي، سوى بعد استكمال محاصرة الصين سياسياً وعسكرياً، من خلال الباسفيك، بالتعاون مع بعض الدول الاخرى، ومنها جنوب كوريا، اليابان واستراليا وغيرها، إذ يُمهّد ذلك لبسط سيطرة واشنطن على المنطقة الحيوية والتاريخية للصين، وقطع طرق مواصلاتها العالمية، وما العقوبات التي نسمع عنها واحدة بعد أخرى ضد الصين، سوى “روافع” أمريكية لتنفيذ هذا المخطط طويل الأجل، وهو ليس بمخطط لشخص الرئيس ترامب، بل يتفق عليه كل المَجمع الصناعي – العسكري الأمريكي، الذي يَضع السياسات وينفذها، وعلى الرئيس تطبيقها “وفقاً للمصلحة الأمريكية العليا”!

 

الصين ردّت رداً حاداً، وهدّدت بقوة للرد على التوجهات الحصارية الأمريكية، وهي المرة الاولى التي نرى فيها الصين بهذه الصورة اللفظية. فبرغم هدوء السياسة الصينية، كانت “عقوبات” ترامب مُثيرة للكثير من الامتعاض ولتحريك العصا الصينية بوجه أمريكا التي اعتقدت، لوهلة، أن الصين عاجزة عن مواجهتها، أو لا تريد ولم تكن تريد فهم حجم القوة والإمكانات الصينية، وهو ما عبّر عنه ترامب مؤخراً بكل صفاقة، عندما تبجح كذباً، بأن الرئيس شي جين بينغ لم ينسحب من حفل العشاء الذي أقامه ترامب على شرفه، برغم إبلاغ ترامب للرئيس “شي” عن ضرب قاعدة الشعيرات السورية بصوراريخ أمريكية. لكن الصحافة الامريكية أشارت إلى عكس ذلك تماماً، ما يكشف عن عنهجية ترامب وكذبه، أو أنه ينسى الحقائق والوقائع حتى تلك التي تجري “في بيته”!

 

الصين لا تريد ولا ترغب في شن أي حرب عسكرية، والحرب المباشرة هي آخر احتمال للرد على الحرب المباشرة فقط، لكن أي حرب تجارية قد تقع وتستمر مع الولايات المتحدة، ستجلب كارثة لكل العالم ولاقتصاده أيضاً وبضمنها الأمريكي.

وبرغم من أن الرد الصيني على أمريكا يتّسم كما هو في العادة بالتهذيب، فإن المَثل الصِّيني يَقول، “إلاّ أنَّه مِن المُهَذّب الرد بالمِثل فَقط”!

*#يلينا_نيدوغينا: رئيسة تحرير #الملحق_الروسي، وعضو مؤسس  وقيادي للاتحاد الدولي للصحافيين والإعلاميين والكتّاب العرب أصدقاء (وحلفاء) #الصين.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.