شنغهاي مدينة الميلاد

0

 

 

موقع الصين بعيون عربية ـ
باسم محمد حسين
*:

وطأت أقدامنا مدينة شنغهاي الجميلة مساء يوم 23/3/2018 في جوٍ ربيعي طيب جداً نهاراً، وبارد بعض الشيء أثناء الليل .

كان في استقبالنا في المطار رفاق من دائرة العلاقات الخارجية للجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني من منظمة شنغهاي، بالإضافة إلى مرافقينا الثلاثة من الدائرة ذاتها. كي نصل إلى بوابة المطار كان علينا أن نركب قطار المطار، وفعلاً كان ذلك، ووصلنا فندق هونغ كياو للضيافة الرسمية في حافلتين وسيارة مخصصة لنقل الحقائب.

مناظر طريق المطار إلى مركز المدينة جميلة ومعبّرة عن جهود راقية بذلت في التصاميم الهندسية ودقة تنفيذها، المدينة عملاقة بكل ما للكلمة من معنى، فهي تضم 24 مليون نسمة، يعيشون في مساحة 6340 كم2. كما هي واحدة من أهم وأكبر موانئ العالم المتميزة، حيث تتصدر ولمدة ثماني سنوات الأخيرة في حجم الشحن والتفريغ لما يدخل إليها من مواد خام ويخرج منها على شكل منتجات مختلفة، ويزور شانغهاي 100 مليون شخص سنوياً من خلال مطاريها الدوليين وشبكات السكك الحديد السريعة والاعتيادية، وطرق السيارات الحديثة الواسعة، والتي يمر قسم منها عبر أنفاق طويلة نسبياً وذات طراز حديث ومواصفات عالية في التصميم المروري والتنفيذ والإنارة وغيرها .

صباح اليوم التالي زرنا متحف المؤتمر الأول للحزب الشيوعي الصيني، ومن ثم توجهنا إلى “برج لؤلوة الشرق”، والذي هو فعلاً لؤلؤة الشرق حيث يرتفع بحدود 468 متر عن سطح الأرض، وله طوابق متعددة، ويحتوي في أعلاه تقريباً على (الكبسولة)، وهي غرفة دائرية ذات أرضية من الزجاج المقوى تُظهِر تحت أقدامك الشوارع والبنايات الأقل ارتفاعاً منه، وهي مناظر أخاذة تبهر عيون الناظرين، كما يحتوي على متحف جميل يتواجد فيه العديد من نماذج عربات النقل اليدوي السابقة، والصناعات الشعبية البسيطة وبعض المهن الصينية القديمة، بالإضافة الى مجموعة من وسائط النقل القديمة المستعملة في المدينة، منها السيارة الأولى التي دخلت المدينة، والترام، وغيرها، ونماذج من الموروث الشعبي للمدينة كالدكاكين والمقاهي، وفي طابق جميل آخرهناك المطعم الدوار والمقاهي، وفي مكانٍ آخر هناك سوق للتبضع للحاجات البسيطة الخاصة بزيارة هذا المعلم السياحي والعمراني الرائع، والذي يضم أيضاً معدات للاتصالات الحديثة .

بعد الغداء في مطعم “برج لؤلؤة الشرق” توجهنا الى متحف التخطيط العمراني لمدينة شنغهاي، بناية حديثة رائعة التصميم متعددة الطوابق. كان الاستقبال كريماً جداً، مررنا بقاعات حقيقةً لم أرَ مثلها مع شرح وافٍ لكل ما في المدينة من أنشطة وفعاليات علمية وتجارية وبحثية، توضح ما كانت عليه المدينة وما أصبحت اليوم، وما يُخطّط للمستقبل القريب والاستراتيجي، مروراً بالشركات التي تخطِّط، والأخرى المنفِّذة، بدءاً من النموذج المُصغّر الجميل للمدينة والذي يمتد في طابق مخصص له يمكن مشاهدته من الأعلى وكأنك في طائرة مروحية تتنقل فوق المدينة، ناهيك عن الإنارة التي تبدو من خلالها، وكأن النموذج حقيقي (منظر ولا أروع) وهناك أيضاً مكان للتعريف بمترو المدينة، الذي يمتد لمئات الكيلومترات، وينقل عشرة ملايين شخص يومياً، والتحديث والتوسيع له مستمر، وهناك أيضاً عرض بانورامي للمدينة هو الآخر رائع في التصوير والتقديم الذي يشد المشاهد كثيراً، بطريقة العرض الحديثة  من خلال سبع عارضات سينمائية متوافقة والتي يصاحبها صوت المقدِم الذي يوضح معالم المدينة في أسلوب شَيِّق جداً .

أما ليلاً فكنا على موعد مع سفرة بحرية على شاطئ المدينة في سفينة مخصصة لهكذا رحلات، كانت المناظر الخلابة قد استولت على عقولنا وانبهرنا جميعاً بروعتها حيث إنارة البنايات والسفن الراسية على الشاطئ، مشهد لم أرَ مثيلاً له في حياتي، وأعتقد لن أرى مثله في المستقبل، كانت سويعات جميلة هي من أحلى ساعات العمر، يُصاحب هذه المناظر برودة جو طيبة، تمنحك شيئاً من الحركة كي تعود لعمر الشباب قليلاً.

أما صباح اليوم الثالث، فكان مخصصاً لزيارة حي سكني في أطراف المدينة يتوسطه مركز ثقافي واجتماعي راق، يقضي فيه السكان  أوقاتاً مفيدة وممتعة، حيث المكتبة الورقية الكبيرة، والمكتبة الإلكترونية الواسعة، وقاعات الموسيقى والمطالعة والرقص والجمناستك، والألعاب الرياضية، وكرة المَضرب (التي تشتهر فيها الصين ولها من الميداليات الأولمبية الكثير)، وقاعة السينما، وقاعات الرسم والأعمال اليدوية والمنزلية.

ومساءً كان لنا لقاء رسمي مع أحد كبار المسؤولين في الحزب الشيوعي الصيني في المدينة. تبادلنا أحاديث متنوعة أغلبها عن المدينة وكيف كانت قبل ثلاثين سنة، وكيف هي الآن، وما يخطط لها بعد سنتين من جهة، وبعد ثلاثين عام أخرى، بموجب توصيات المؤتمر الوطني التاسع عشر للحزب، والذي أوصى أيضاً بإنشاء منطقة للتجارة الحرة، وأوضح لنا الرجل بأن معدل العمر 81 سنة، وخلال السنوات الأخيرة ازداد دخل الفرد 8% ، كما أخبرنا بأنهم في طور بناء مركز تكنولوجي بأهمية عالمية سينجز عام 2020 وهي السنة الأخيرة من الخطة الخمسية الثالثة عشر، وزودنا بمعلومة مفرحة بأن شنغهاي ستكون في عام 2035 مدينة ذات أبعاد دولية معمارية، وربما ستكون الأولى عالمياً، وبتقديري ستكون كذلك .

لم تتقدم دولة الصين بهذا القدر لو لم يكن بناؤها ذا أساسٍ متين، فطوبى للرفيق “ماو” ورفاقه البناة الأوائل الذين أسسوا حزبهم عام 1921 في هذه المدينة، ومن ثم عملوا بجدٍ واجتهاد ونقلوا الصين من دولة زراعية تستخدم الثيران في جر المحاريث الزراعية، الى دولة هي الأكثر تصديراً في العالم للمنتجات الصناعية المختلفة، لأنهم لم يتربوا على فكرة الغنيمة، بل على العمل من أجل المجموع، هؤلاء هم الفرسان الذين أدوا واجباتهم تجاه شعبهم ووطنهم وواجهوا التحديات والصعاب، وضحوا بالغالي والنفيس من أجل أهدافهم النبيلة العظيمة، ولحقهم رفاقهم الآخرون وصولاً للرفيق النبيه “شي جين بينغ”، الذي انفتح بعمله على العالم من خلال الاشتراكية بالصيغة الصينية، ورفع الصين إلى مستوى تخطى دولاً متقدمة عديدة في جميع مجالات الحياة، ولا زال هو ورفاقه الآخرون  يبحثون ويخططون لمستقبل أفضل.

*الاستاذ #باسم_محمد_حسين: كاتب وعضو في “#المجموعة الرئاسية #العراقية الأولى، وسكرتير تحرير مجلة #الغد للحزب الشيوعي #العراقي، وعضو المكتب الإعلامي ومكتب العلاقات الوطنية للحزب، والأمين الإداري للنقابة #الوطنية للصحفيين #العراقيين.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.