سياسة التنمية تجاه إقليم شينجيانغ والدور الجبّار للحكومة المركزية

0

 

 

موقع الصين يعيون عربية ـ
محمد زريق*:

حظيت منطقة شينجيانغ الويغورية ذاتية الحكم بمكانة اقتصادية هامة، وذلك منذ انطلاق طريق الحرير القديم، بحيث أنَّ حركة التبادلات التجارية جعلت من هذه المنطقة مركزاً هاماً للتواصل الاقتصادي والحضاري. بالإضافة إلى حركة التجارة، تعتبر منطقة شينجيانغ غنية بالموارد الطبيعية والتي تشكل جزءاً كبيراً في النهضة الصينية العظيمة. اسم مدينة “كارماي” على سبيل المثال يعني حقل النفط الأسود باللغة الويغورية، وهذه المدينة هي واحدة من أغنى المدن الصينية بالموارد الطبييعية وقد تحولت إلى واحدة من أهم قواعد مصادر الطاقة النفطية في الصين؛ أما مدينة “أورومتشي” فهي تعني المراعي الجميلة باللغة المنغولية. هذه النماذج تدل على مدى غنى طبيعة إقليم شينجيانغ، بالاضافة إلى موقعه الاستراتيجي الذي يشكل رابطاً بين الصين والمنطقة الاورآسية.

تعتبر منطة شينجانغ من أكثر المناطق الصينية التي تمتاز بوقت طويل لسطوع الشمس حيث يبلغ مستوى سطوع الشمس سنويا 2817.70 ساعة. تبلغ كمية الموارد المائية في إقليم شينجيانغ حوالي 96 مليار و282 مليون متر مكعب، وتعتبر شينجيانغ غنية بالموارد الجليدية، حيث يوجد بها حوالي 10860 قطع جليدي صغير وكبير. وتتميز هذه المنطقة بكثرة البحيرات، حيث يوجد حوالي 139 بحيرة تزيد مساحتها عن 1 كيلومتر مربع ويوجد داخل أراضي شينجيانغ ما يزيد عن 570 مجرى مائي، من بينها 270 عين جبلية. كما وتعتبر منطقة شينجيانغ غنية بالرياح، حيث يزيد هبوب الرياح داخل أراضيها وتستمر لفترات طويلة، ويبلغ الاحتياطي الاجمالي لطاقة الرياح 872 مليون كيلووات ساعة، ويتم استغلال الرياح بشكل كبير في عملية توليد الطاقة الكهربائية داخل إقليم شينجيانغ.

تعتبر منطقة شينجيانغ غنية بالثروة المعدنية، حيث تمَّ اكتشاف 138 منجماً. تتميز المنطقة بوفرة المخزون من النفط والغاز الطبيعي والفحم والذهب والنحاس والكروم والنيكل والمعادن الثمينة والمعادن الملحية ومواد البناء. تحتوي منطقة شينجيانغ على نسبة 30% من كمية الموارد النفطية داخل الأراضي الصينية، و34% من الغاز الطبيعي و40% من الفحم الطبيعي، ويعتبر هذا الاقليم ثاني أكبر مورد لنترات حامض النتريك الطبيعية عالميا. بالاضافة إلى الموارد الطبيعية، يمتاز إقليم شينجيانغ بالتنوع النباتي والحيواني.

ظهرت في الآونة الأخيرة الكثير من التعليقات التي تعتبر أنَّ النظام الصيني هو نظام غير عادل ويستخدم سياسية قمعية تجاه قومية الايغور، وبحسب تلك الافتراضات فإن ظاهرة انتشار الفكر الارهابي وغيرها من الظواهر السلبية والخطرة تعود إلى السياسة الاجتماعية التي تتبعها الحكومة الصينية. إلا أنه من السهل اختلاق الإشاعات وفبركة أمور لا تمت إلى الواقع بصلة، ولكن من الصعب إثبات تلك الأخبار بلغة الأرقام والحقيقة. لذلك بات من الضروري إظهار الصورة الحقيقة لمنطقة شينجيانغ بلغة الحقائق والأرقام، ودحض جميع ما يتم تداوله من فبركات وأوهام مصطنعة.

في العام 1954 وبالتعاون المشترك ما بين الحكومة المركزية والحكومة الاقليمية، تمَّ تأسيس فيلق شينجيانغ للانتاج والبناء، عمله الأساسي هو استصلاح الأراضي وحراسة الحدود، ويقوم هذا الفيلق بدور هام في المجالات الاقتصادية والاستقرار الاجتماعي وتضامن القوميات والحفاط على وحدة الوطن وحماية الحدود.

في أول أكتوبر 1949، تمَّ تأسيس جمهورية الصين الشعبية ومنذ ذلك التاريخ دخلت منطقة شينجيانغ عصراً جديداً من التقدم والانفتاح والازدهار. مع تأسيس الصين الجديدة ظهر نوع آخر من التعامل بين القوميات المختلفة، قائم على المساواة والصداقة والتعاون والتضامن، وتمَّ إنشاء نظام الحكم الذاتي الاقليمي القومي وفقاً لميثاق المؤتمر الاستشاري السياسي للشعب الصيني. وفي العام 1955 أنشئت منطقة شينجيانغ الويغورية الذاتية الحكم رسمياً، مما عزز التعاون بين القوميات المختلفة ودعم التطور السياسي والاقتصادي والثقافي في مجتمع شينجيانغ.

شهدت منطقة شينجيانغ تقدماً كبيراً منذ العام 1978 مع تنفيذ الصين لسياسة الاصلاح والانفتاح على الخارج، حيث حققت إنجازات ملحوظة في مجالات العلوم والتكنولوجيا والاقتصاد والسياسة والتربية والتعليم والثقافة، كما وتحسن وضع السكن والبنية التحتية بصورة واضحة، فعاش أهل شينجيانغ في سلام وطمأنينة.

بفضل السياسة الاصلاحية المركّزة والتي تعتمدها الحكومة الصينية تجاه منطقة شينجيانغ فقد حققت الاستثمارات في الأصول الثابتة زيادة مستمرة، وشهدت الطرق العامة والسكك الحديدية والطيران المدني تنمية سريعة. زادت الحكومة المركزية مجموع المعونات المالية والمدفوعات التحويلية سنة بعد سنة في شينجيانغ، وتمثل الاعانات المالية التي قدمتها الحكومة المركزية ثلثي نفقات شينجيانغ، كما مثّلت الاستثمارات المالية من الحكومة المركزية أكثر من 80% في مشاريع البناء الكبرى فى شينجيانغ.

اعتبر رئيس منطقة شينجيانغ ذاتية الحكم لقومية الويغور نور بكر:”أن الدولة قد اتخذت قراراً استراتيجياً مهماً لتحقيق التطور السريع والاستقرار الدائم فى شينجيانغ، كما أنَّ دعم الحكومة المركزية لشينجيانغ لم يسبق له مثيل، بحيث تمَّ توفير أموال الاستثمار، وازدادت مشاريع البناء، وبهذا يستفيد الشعب بالمعيشة على النطاق الواسع، وهذا يرمز إلى أنه قد تمَّ فتح صفحة جديدة للتنمية في شينجيانغ”.

عام 2010 قررت وزارة الثقافة الصينية إطلاق عدد من المشروعات لتدعيم حماية التراث الثقافي في إقليم شينجيانغ، والرقابة على السوق الثقافية، وتدعيم الصناعات التراثية في شينجيانغ. وفي العام نفسه أصدرت وزارة النقل بياناً مشتركاً مع حكومة منطقة شينجيانغ تعهدتا فيه بإنفاق المزيد من الأموال لبناء الطرق في شينجيانغ، تغطي 50% من تكاليف البناء. وقد بدأ تطبيق لائحة إصلاح ضرائب الموارد في شينجيانغ، والتى أصدرتها مشاركة كل من وزارة المالية، وإدارة الدولة للضرائب، ما جعل شينجيانغ أول منطقة في الصين تبدأ هذا الاصلاح. وتمثل اللائحة تحولا الى فرض ضرائب النفط الخام والغاز الطبيعي طبقاً للسعر، وليس الحجم. ويهدف هذا الاصلاح الى زيادة العائدات المحلية لشينجيانغ الغنية بالموارد.

تعمل المستشفيات العسكرية الصينية على تنفيذ خطة لمساعدة شينجيانغ بالخبرة الطبية وتدريب العاملين في الحقل الطبي. وقد اشتركت الحكومات المحلية في 19 مقاطعة وبلدية صينية من بينها بكين وشانغهاي وقوانغدونغ وتشجيانغ ولياونينغ في التعهد “بتنسيق المساعدات” لدعم المشروعات الخاصة بتعزيز تنمية الزراعة، والصناعة، والتكنولوجيا، والتعليم، والخدمات الصحية في المنطقة. كما تبذل الحكومة المحلية في شينجيانغ جهوداً ذاتية لتنمية المنطقة، مثل تحسين إدارة تربية الماشية، والتقدم التكنولوجي لتدعيم صناعة تعدين للفحم فعّالة وصديقة للبيئة، واتخاذ إجراءات لتعزيز السياحة المحلية.

إنَّ الحقائق والأرقام تعبّر عن الاهتمام الكبير الذي تبذله الحكومة الصينية لدفع عجلة التقدم والازدهار في هذا الاقليم، وبعض النظر عن الأصوات التي تعتبر أنَّ هذا الاقليم يعاني من الحرمان والقهر إلا أنَّ الواقع يشير إلى سياسة حكيمة تتبعها الحكومة الصينية.

إنَّ الحكومة الصينية تعمل بشكل جدي على دعم هذا الإقليم بالوسائل المتاحة كافة، ولكن المشكلة تبقى في تبنّي بعض الظواهر والحركات السياسية للإرهايب الذي يشكل خطراً على الصين والعالم بشكل عام. لذلك على الحكومة الصينية مضاعفة جهودها بنشر الوعي بين أبناء هذا الاقليم، عن طريق افتتاح المزيد من المدراس والجامعات العصرية والتي تكون عاملاً مهماً في القضاء على ظاهرة الفكر الارهابي. بالعلم وحده يرتقي الانسان وتتقدم المجتمعات، فإن الكثير من سكان إقليم شينجيانغ تأخذهم العواطف الدينية إلى أماكن خطرة لا تليق بوجه الصين الحضاري، فالرسالة الأهم هي مكافحة الإرهاب والظواهر الشاذة عبر سياسة تعليمية وثقافية حديثة وعصرية تكون قادرة على القضاء على ظاهرة الإرهاب بشكل نهائي وبطريقة سلمية.

*مرشح للدكتوراه في Central China Normal University وعضو اتحاد الكتّاب والصحفيين أصدقاء وحلفاء الصين، مهتم في سياسة الصين الخارجية تجاه المنطقة العربية مع تركيز خاص على مبادرة الحزام والطريق، لديه العديد من الكتابات والمنشورات.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.