موقع متخصص بالشؤون الصينية

مركزية آسيا في أجندة نزارباييف الكازاخية

0

marwan-soudah-kazakhstan3

بقلم/ مروان سوداح*

قبل فترة وجيزة، وتحديداً في الثامن والعشرين من أيلول/ سبتمبر المنصرم، عُقدت في نيويورك الدورة اليوبيلية ال70 للجمعية العامة لمنظمة الأمم المتحدة، وقد أضحت هذه الدورة بحق حدثاً بارزاً في مسيرة البشرية وتاريخ هذه المنظمة الدولية.

وفي ضوء تزايد التوترات بين اللاعبين الرئيسيين على الساحة الدولية، انتظرنا من الدورة السبعين قرارات غير تقليدية حِيال تلك التوترات. وقد توقعنا في تلكم الحالة الاحتفالية للمنظمة إجراء حوار على الصعيد الكوني، بغية المساهمة في تهدئة الوضع الدولي.

من الطبيعي النظر لمنظمة الأمم المتحدة على انها منصة عالمية للمفاوضات. ولا يمكن وحالتها هذه التقليل من قدرها وشأنها ومساهماتها في عمليات إحلال السلام في مختلف أرجاء العالم، وفي حل المشاكل العالمية المزمنة. لكننا نتسائل هنا، ما هي مدى فعاليتها في أيامنا ؟ إن مثل هذا التساؤل يُثير امتعاضاً وغصّة في النفس، إذ أنه ومنذ عقدين من الزمن باتت تزايد الاصوات المطالبة داخل أسوار الأمم المتحدة بضرورة إجراء الإصلاحات تتزايد. فهناك مجموعات عمل محددة توظّف جهودها في هذا الاتجاه. ولكن وبرغم ذلك لم يتغيّر شيئ، بغض النظر عن ان حالة عالم اليوم ليست على ما كانت عليه في سنوات ما بعد الحرب الكونية الثانية، عندما تأسست هذه المنظمة الدولية .

النزاعات الإقليمية والمواجهات العرقية والحرب التي لا يُخمد أُوراها في سورية وأوكرانيا المُحترقة، أضف إليها منطقة الشرق الاوسط التي ماتزال تعيش في حالة حرب مستمرة، زد على ذلك الارهاب الدولي الذي لم يفقد سطوته بعد، ليست كامل قائمة القضايا الملّحة الموضوعة على جدول أعمال الأمم المتحدة.
وفي خضم كل ذلك يبدو أن الأهداف المثبتة في ميثاق الامم المتحدة ومنها، ضرورات الحفاظ على السلم والأمن الدوليين، فضلاً عن تنمية علاقات الصداقة بين مختلف البلدن، تغدو اليوم أصعب تحقيقاً. والى جانب ذلك، أصبحت الأمم المتحدة وعلى نحو متزايد، تشغل الصف الأول في حلبة النِزال الكلامي، وليس منبراً لإرساء الحوار.

وعلى خلفية التناقضات القائمة، نستذكر الخطاب البَنَّاء والموضوعي الذي اطلقه الرئيس الكازاخستاني نور سلطان نزارباييف في العام الحالي2015 الذي أوشك على الانتهاء. ففي ضوء الحقائق السائدة، غدت فكرة رئيس جمهورية كازاخستان لإنشاء شبكة عالمية موحّدة لمكافحة الإرهاب الدولي والتطرف فكرة حيوية. وتحت رعاية منظمة الأمم المتحدة بالذات، ينبغي إقرار وثيقة شاملة لمكافحة هذا الشر.

وهنا، لا بد ان نستذكر الوزير الأسبق في حكومات مارغريت تاتشر وجون ميجور، وهو اللورد دوغلاس هيرد، الذي شغل في خوالي الأيام منصب وزير الخارجية في بلاده، بخاصة عندما وصف مبادرة الرئيس الكازاخستاني بأنها واقعية تماماً. بينما الخبير المشهور بقضايا بلدان آسيا الوسطى والوزير الأول الاجنبي للخارجية الذي زار كازاخستان في العام 1991 والذي سلّم المذكرة الرسمية من وزارة الخارجية البريطانية حول الاعتراف باستقلال كازاخستان، اعتبر انه من الضروري بمكان والأهمية الخاصة النظر الى فكرة “الخطة العالمية لمكافحة الأزمة”. واستطرد هيرد، وهو وزير خارجية بلاده الأسبق والمعروف: “… أنا أتفق مع رئيس كازاخستان بأن الإرهاب، الهجرة، والأحداث السلبية الأخرى هي نتاج للأزمة الاقتصادية والفقر والأمية والبطالة.. ومعاً فقط يمكننا حل هذه المشاكل “.

ووفقاً للخبير القرغيزي الشهير والمدير التنفيذي لرابطة علماء السياسة، والعضو في إتحاد كُتّاب قيرغيزستان (ت. كاكتشيكييف)، فإن “رئيس كازاخستان نور سلطان نزارباييف قد أصاب تماماً بمعالجته واحدة من أكثر القضايا إلحاحاً في النظام العالمي الحالي، ألا وهي مخاطر الإرهاب والتطرف الدوليين وانعكاساتهما على الحضارة العالمية. الى جانب ذلك، فقد عَبَّرَ (ت.كاكتشيكييف) عن ان المشكلات العالمية المتفاقمة تتزايد حِدّة من خلال حُجج لا تقبل الجدل، وتوافر حقائق دامغة تؤكدها، على سبيل المِثال، تلك الأحداث الجارية في بلاده قيرغيزستان، حيث تستشعر المنظمة “الدينية” التي تطلق على نفسها إسم “جماعة التبليغ”، حرية طاغية، برغم توصيفها في كل أنحاء العالم بأنها حركة متطرفة” .

عِلماً، بأنه أيضاً لم يبق دون انتباه المجتمع الدولي أفكار رئيس كازاخستان القاضية بإنشاء عِملة، نقد، فوق وطنية، وكذلك “إعادة توطين” مقر الامم المتحدة ليستقر في قارة آسيا. وفي حالة إعمال الفِكر، فإن هذه الأفكار – المبادرات – تمتلك الحق ليس فقط في الوجود، بل أيضاً وفي تفعيلها على أرض الواقع المُعاش. فلم يَعد سراً بعدُ، أنه وعلى امتداد سنوات وسنوات من وجود الأمم المتحدة، فإن السيرورات الرئيسية الجيوسياسية والاقتصادية للخارطة العالمية، انتقلت تدريجياً لتستقر في أكبر قارة في العالم – ألا وهي آسيا.

من ناحيتهم، يدعم دبلوماسيو كوريا بحماس إعادة النشر المحتمل لمقر الامم المتحدة في آسيا. وعلى سبيل المِثال، أعرب تشي إينغوتشون – السفير فوق العادة والمفوض لجمهورية كوريا في كازاخستان بـ”إن مركز التنمية يقع هنا بالذات (أسيا).. ولا مندوحة عن الإشارة هنا الى ان هذه الرؤية الثاقبة البصيرة التي تمتع بها رئيس جمهورية كازاخستان ، والتي ترى ضرورة نقل مكتب المنظمة الدولية، صارت مدار نقاش في العالم كله، ذلك ان هذا الامر واقعي جداً واقتراح جد بنّاء. فالرئيس نور سلطان نزارباييف حدّد بدقة في مقترحاته ماهية المهام العالقة.. فأمام عينيه تمثل خطة التنمية بعد 30 عاماً.. أنها تستحق اهتماماً خاصاً “.

إلى جانب ذلك، قالت رينات شيمكورايت – القنصل العام لألمانيا في ألماتي: “إن هذه المقترحات التي تتعلق على سبيل المِثال بعملة عالمية موحّدة، هي اقتراح مُثير للاهتمام للغاية كما اعتقد”. بينما نوّه دبلوماسيون أخرون، الى ان مَعَالِم جدول الأعمال العالمي الجديد للأمم المتحدة يتزامن مع أولويات كازاخستان. والجدير بالاهتمام هو تخصيص واحد في المئة من ميزانية الدفاع للصندوق الخاص للأمم المتحدة الخاص بالتنمية المُستدامة.

وبرغم ان العالم قد تغير مرة وإلى الأبد منذ الدورة اليوبيلية للجمعية العامة للامم المتحدة، سيّما بعد بدء العمليات العسكرية للقوات المسلحة الروسية في سورية، فإن خطاب الرئيس الكازاخستاني مايزال يَفيض بحيوية دافقة، ويتواصل الاستشهاد به، ويستمر بكونه مدار نقاش في أوساط الزعماء الدوليين والدبلوماسيين، ومن بين هؤلاء سفير هولندا في كازاخستان هانز دريسير، الذي صرّح بتأييده التام للمقترحات الكازاخية الخاصة بالسلامة الأيقولوجية.. وأعرب الدبلوماسي كذلك عن إعجابه الحقيقي بإقتراح رئيس جمهورية كازاخستان في مجال نزع السلاح النووي وسيادة الأمن العالمي.

وفي مسألة اعتماد بنك الوقود النووي والوكالة الدولية للطاقة الذرية على أراضي كازاخستان، يرى هذا الدبلوماسي الاجنبي، ان ذلك إنما هو انعكاس جَلي وعلامة واضحة على ثقة عالية من لدن المجتمع الدولي الذي يوليها بالذات لجمهورية كازاخستان. وفي كلماته نقرأ، “أن خطاب رئيس كازاخستان نور سلطان نزارباييف دقيق للغاية وممتلئ باقتراحات ملموسة وواثقة.. ولذلك فمن الصَعب التقليل من مبادرة الرئيس بما يَخص لزوم تأسيس الحركة العالمية لمناهضة الاسلحة النووية، بالنظر إلى أن كازاخستان تخلّت طواعية عن رابع أكبر ترسانة نووية في العالم كانت على أراضيها بعد تلاشي الاتحاد السوفياتي “.

وفي محطات خطابه في نيويورك، لفت الرئيس نور سلطان نزارباييف انتباه جمهرة المحتشدين هناك، الى انه وعلى الرغم من التحديات الصعبة التي نواجهها اليوم، إلا أنه شدّد على الإنجازات السياسية والاقتصادية في كازاخستان، وكذلك رغبة ومبادرة بلاده في معالجة وحل مختلف القضايا الدولية، وأجندات العمل بصورة بنّاءةن وبالأهم بأليات سلمية.

وهنا أيضاً تتوافر شروط التفعيل كافة. كما ولا بد في هذا السياق من لفت الانتباه الى ان كازاخستان تمتلك المقومات كافة لتكون مُنافساً رئيسياً خلال احتلالها مقعد عضو غير دائم في مجلس الأمن الدولي للاعوام 2017- 2018. نعم، ان كازاخستان هي دولة فتية، لكنها طموحة، ويتضج نضوجها السياسي للعيان، وتستطيع تنفيذ مختلف متطلبات هذا الشكل الرصين من المسؤولية الدولية. وفي السنوات الأخيرة، صارت كازاخستان تعلي صوتها برغبة لفرض مكانتها على الساحة الدولية، ولاحظوا أيتها السيدات وأيها السادة القرّاء والباحثين، فإن ذلك إنما يرتدي وعلى وجه التخصيص سياقات إيجابية.

• تنشر المقالة بتعاون إعلامي مع المؤسسات المعنية في جمهورية كازاخستان.
• الاكاديمي مروان سوداح: باحث أُردني في شؤون أسيا وجمهورية كازاخستان والدول المستقلة عن الاتحاد السوفييتي السابق.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.